تونس تتحدى الإرهاب بانتخاب برلمانها

الأحد 2014/10/26
استعداد أمني كبير لانجاح الانتخابات

تونس- تمثل الانتخابات التشريعية حدثا مفصليا في تاريخ تونس المعاصر، لعدة اعتبارات أهمها أن البرلمان المقبل سيحظى بصلاحيات واسعة، كما أن هذه الانتخابات ستشكل ملامح تونس خلال السنوات الخمس المقبلة.

تستعد تونس، اليوم الأحد، للقطع مع المرحلة الانتقالية، التي جاوز عمرها الثلاث سنوات، عبر بوابة الانتخابات التشريعية التي سينبثق عنها أول برلمان منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 2011، وأول حكومة يكون لها صلاحيات واسعة.

ويتوقع المراقبون أن تشهد مكاتب الاقتراع إقبالا مكثفا من التونسيين، خاصة بعد الأحداث الأمنية الأخيرة التي أعطت، وفق هؤلاء، نتائج عكسية على خلاف ما يسعى إليه المتشددون.

وعاشت تونس خلال هذا الأسبوع على وقع مواجهات بين رجال الأمن وجماعة مسلحة متحصنة بأحد المنازل في منطقة وادي الليل غرب العاصمة، وقد أسفرت العملية عن سقوط عنصر من الدرك، فضلا عن مقتل ستة من المجموعة الإرهابية بينهم خمس نساء.

وأعادت هذه العملية، وفق المحللين، مخاوف التونسيين من ظاهرة الإرهاب التي لم يعهدوها قبل ثورة 14 جانفي، إلا أنها عززت فيهم إصرارهم على ضرورة التصويت في هذه الانتخابات تحت شعار “مع الإرهاب أو ضده”. وفي هذا السياق يقول العميد المتقاعد في الجيش التونسي مختار بن نصر إن “هذه العملية الإرهابية كانت تهدف إلى إرباك العملية الانتخابية وإثناء المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم لكنها أعطت نتائج عكسية وزادت التونسيين إصرارا على المضيّ قدما نحو الانتخابات بأعداد كبيرة”.

وستجرى عملية الاقتراع، اليوم، في ظل الدستور الجديد المصادق عليه في 26 يناير 2014 والذي تم بمقتضاه منح البرلمان ورئاسة الحكومة صلاحيات واسعة مقابل صلاحيات محدودة لرئاسة الجمهورية.

وقد شهدت تونس في 23 أكتوبر 2011 أول انتخابات بعد “ثورة 14 جانفي” وهي انتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي الذي تولى مسؤولية إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية ووضع دستور توافقي جديد.

وتتنافس في الانتخابات التشريعية 1327 قائمة (1230 قائمة في الداخل و97 في الخارج) موزعة على 33 دائرة انتخابية (27 في الداخل و6 في الخارج) بحسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، المكلفة بإدارة هذا الاستحقاق المهم.

27 مرشحا للسباق الرئاسي الذي ستنطلق جولته الأولى في 23 نوفمبر المقبل

وتضم القوائم الانتخابية أسماء نحو 13 ألف مرشح “على أساس مبدأ المناصفة بين النساء والرجال، وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة الواحدة”، وفق القانون الذي ستجرى على أساسه الانتخابات التشريعية، ثم الرئاسية المقررة في 23 نوفمبر القادم.

ويبلغ عدد الذين يحق لهم التصويت 5 ملايين و285 ألفا و136 بينهم 359 ألفا و530 يقيمون في دول أجنبية، وسيتوجه المقيمون بالبلاد للقيام بواجبهم الانتخابي اليوم، إلى 11 ألف مكتب اقتراع يشرف عليها نحو 50 ألفا من أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، لانتخاب 217 نائبا بمجلس النواب، وسط مراقبة من 9 آلاف مراقب تونسي وأجنبي.

وسيتم توزيع المقاعد البرلمانية في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي وهي الطريقة نفسها التي اعتمدت في انتخابات 2011 التي فازت فيها حركة النهضة الإسلامية بنسبة 37 بالمئة من الأصوات و41 بالمئة من المقاعد، حسب القانون الانتخابي.

ويتوقع المتابعون للمشهد التونسي أن تكون عملية التصويت محصورة أساسا بين حركة النهضة الإسلامية وحزب نداء تونس العلماني الذي حقق خلال فترة قصيرة من تأسيسه (2012) شعبية كبيرة، دون إسقاط فرضية المفاجأة على غرار الانتخابات الماضية التي تمكّن فيها حزب العريضة الشعبية الذي يتزعمه الهاشمي الحامدي المنشق عن النهضة من الفوز بالمرتبة الثانية.

ويبني التونسيون آمالا كبيرة على هذه الانتخابات بالنظر إلى الوضع الأمني والاقتصادي المتردي الذي شهدته البلاد خلال حكم “الترويكا” الممثلة في حركة النهضة الإسلامية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

يذكر أن التصويت في الخارج كان قد انطلق الجمعة الماضية لينتهي، اليوم الأحد، وقد شهدت مكاتب الاقتراع إقبالا متفاوتا، فضلا عن صدور عديد الشكاوى من المواطنين للإخلالات الحاصلة، على غرار اكتشاف عدد منهم غياب أسمائهم عن سجلات التسجيل في الانتخابات، إلى جانب وجود إشكالات على مستوى المنظومة الإعلامية التي أخّرت عملية التصويت في عدد من مكاتب الاقتراع في أكثر من بلد أوروبي على غرار فرنسا.

ووفقا للأنباء القادمة من مراكز الاقتراع في الخارج فإن هناك منافسة واضحة بين حركة النهضة ونداء تونس.

ويتعين على هيئة الانتخابات أن تعلن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في فترة أقصاها الأيام الثلاثة التي تلي الاقتراع والانتهاء من الفرز الذي يبدأ فور انتهاء عمليات التصويت، وفق نص القانون.

ولئن اعتبرت الانتخابات التشريعية الأهم باعتبار الصلاحيات التي سيحظى بها البرلمان المقبل، إلا أن التونسيين لم يسقطوا من حساباتهم الأهمية التي تكتسيها الرئاسية التي بات يفصلهم عن جولتها الأولى شهر واحد (23 نوفمبر).

ويرى متابعون للشأن التونسي أن الفترة القصيرة الفاصلة بين الاستحقاق البرلماني والاستحقاق الرئاسي ستكون حاسمة في تحديد ملامح التحالفات الحزبية مستقبلا وموقف القوى السياسية من مرشح الرئاسة، كما أنها على مستوى الناخبين ستكون هذه المرحلة بمثابة مرحلة تحديد خياراتهم النهائية من مرشح الرئاسة في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية.

ويوضح المحلل السياسي عبدالحق الزموري تأثيرات هذا الفاصل الزمني القصير قائلا: “العديد من القوى السياسية في البلد لم تحسم بعد في اختيارها لدعم أي مرشح للرئاسية لذلك ستكون الفترة الزمنية القصيرة التي لا تتجاوز الشهر حاسمة في حشد الناخبين وراء هذا المرشح الرئاسي أو ذاك”، مضيفا في هذا الإطار، أن نتائج الانتخابات البرلمانية ستكون مؤثرة في مواقف القوى السياسية من مرشحي الرئاسة.

وفي ضوء ذلك، توقع الزموري أن يكون “الفاصل الزمني بين الانتخابات البرلمانية والرئاسية متسما بمشهد سياسي مشحون جدا بعمليات التموقع وإعادة التموقع لمختلف القوى التي ستبحث عن تشكيل تحالفات لدعم مرشح ما للانتخابات الرئاسية”.

وسيخوض 27 مرشحا السباق الرئاسي الشهر المقبل، أبرزهم منذر الزنادي (الوزير السابق في عهد بن علي) والباجي قائد السبسي زعيم حزب نداء تونس والرئيس الحالي محمد المنصف المرزوقي، وأحمد نجيب الشابي، رئيس الهيئة السياسية للحزب الجمهوري (الحزب الديمقراطي التقدمي سابقا / يسار) إلى جانب حمة الهمامي، القيادي بالجبهة الشعبية والناطق باسمها (يسار)، ومصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي، وسليم الرياحي، رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر.

2