تونس تتحصن بالتشريعات القانونية لمكافحة العنصرية

لجنة برلمانية تصادق على مشروع قانون ضد التمييز، والمواطنون السود يشكون استمرار الاعتداءات اللفظية والإقصاء السياسي.
السبت 2018/06/09
العنصرية إرث مسكوت عنه في تونس

تونس - يتجه مجلس نواب الشعب (البرلمان) نحو سن تشريع قانوني مناهض لكل أشكال التمييز العنصري، في خطوة يستجيب فيها لدعوات سابقة للحكومة والمجتمع المدني تطالب بالإسراع في إرساء قانون يكافح العنصرية، أمام تكرر الاعتداءات على ذوي البشرة السوداء بين آونة وأخرى.

وصادقت لجنة الحقوق والحريات بالبرلمان، الأربعاء، بالإجماع على مشروع قانون مناهض للسلوك العنصري بمختلف أشكاله، ويفرض القانون مجموعة من العقوبات على مرتكبيه تتمثل في عقوبة بالسجن بين 6 أشهر و3 سنوات، وعقوبات مالية من 500 دينار (250 دولارا) فما فوق.

ونص القانون على استحداث لجنة وطنية لمناهضة التمييز العنصري ملحقة بوزارة حقوق الإنسان، وفي صورة المصادقة الرسمية عليه تصبح تونس بذلك البلد الثاني في أفريقيا، بعد أفريقيا الجنوبية، التي تسن قانونا مناهضا للتمييز العنصري.

وبحسب الحكومة التونسية قام مجلس الوزراء بعد التشاور مع المجتمع المدني عام 2016 بالمصادقة على مشروع القانون، وتم إيداعه بالبرلمان من أجل إقراره قبل شهر مارس الماضي، لكن البرلمان تأخر في النظر والمصادقة عليه.

وأوضحت النائبة في البرلمان التونسي عن حركة النهضة وعضو البرلمان الأفريقي جميلة دبش كسيكسي لـ”العرب” أن “مشروع القانون سيعرض قريبا على لجنة التشريع العام بالبرلمان ومن المتوقع التصويت والمصادقة عليه أواخر يونيو الجاري”. وأكدت كسيكسي وهي من التونسيين أصحاب البشرة السوداء أنه “من الضروري إرساء قانون يجرم كافة أشكال التمييز العنصري كما يعمل على حماية ضحايا هذا السلوك”.

جميلة دبش كسيكسي: من حق ذوي البشرة السوداء المشاركة في الشأن العام بمناصب سيادية
جميلة دبش كسيكسي: من حق ذوي البشرة السوداء المشاركة في الشأن العام بمناصب سيادية

ويشمل القانون التمييز على أساس اللون والدين والعرق والنسب أو الأصل القومي أو الإثني. ويحدد القانون تعريف التمييز العنصري ويقرّ حماية وقائية للضحايا ويفرض على الدولة تقديم التعويض القضائي العادل وضبط السياسات المناهضة للتمييز.

ورغم أن تونس تعد بلدا رائدا في إلغاء الرق والعبودية على مستوى دولي وكانت سباقة في قرار إلغائه عام 1846 إذ يعتبره المؤرّخون أحد أبرز الإصلاحات الاجتماعية التي كرّست ريادة تونس على الصعيدين العربي والإسلامي من حيث تبني قيم الحداثة، إلا أن المجتمع مازال يعاني من ممارسات عنصرية. وتقول كسيكسي إن “الخلفية الثقافية والموروث المتناقل مسؤولان أساسا عن هذه الظاهرة في البلاد”.

ويستنكر الحقوقيون أن تؤخذ من الموروث هذه الممارسات التي تتعارض مع القيم الإنسانية وتشجبها جميع الأديان. واعتبرت كسيكسي أن “تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى التونسيين يتطلب تضافر الجهود بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لترسيخ قيم المساواة وقبول الاختلاف”.

ويعاني المواطنون السود في تونس من التمييز على أساس اللون، واستشرت في المجتمع اعتداءات عنصرية من خلال نعت أصحاب البشرة السوداء بألفاظ نابية. وتعرضت مضيفة طيران تونسية إلى إساءة عنصرية في مايو الماضي، وعادت بذلك  إلى الواجهة ظاهرة العنصرية الإرث المسكوت عنه في البلاد. وقالت المضيفة إن إحدى المسافرات، وهي تونسية أيضا، وجهت لها ألفاظا عنصرية بعدما ناشدتها الانتظار إلى حين إيجاد مكان لحقيبتها. وأثارت الحادثة استنكار الرأي العام التونسي.

 كما تكررت في تونس حوادث الاعتداء على الطلبة الأفارقة، حيث يعيش فيها نحو مليون مواطن من أصحاب البشرة السوداء، ، بالإضافة إلى جالية تقدر بـ10 آلاف من جنسيات أفريقية مختلفة. وفي عام 2016 احتجّ المئات من الطلبة القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء على ما اعتبروه “اعتداءات عنصرية” يتعرضون لها باستمرار في تونس، من بينها اعتداءات بسبب لون البشرة.

وعلى غرار الاعتداء اللفظي يشكو المواطنون السود من تهميشهم في سوق العمل. كما يشكو هؤلاء من تعمد إقصائهم من المشاركة في الحياة السياسية وفي مواقع صنع القرار. وانتقدت كسيكسي المشاركة الضعيفة لذوي البشرة السوداء في الفضاء السياسي. ورأت أنه من حق هؤلاء المشاركة في الشأن العام عبر تكليفهم بمناصب سيادية.

وأقر المسؤولون بوجود مشكلة العنصرية في البلاد. واعترف رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في تصريحات إعلامية سابقة له بأن بلاده “لا تزال من البلدان التي يعاني فيها ذوو البشرة السوداء داخل المجتمع التونسي”. وعلى إثر تتالي الاعتداءات دعا الشاهد النواب إلى “تعجيل النظر” في مشروع قانون يجرم العنصرية، مشيرا إلى أن المبادرة التشريعية التي أعدها المجتمع المدني وتبناها عدد من النواب هي خطوة حقيقية نحو تجريم أشكال التمييز العنصري كافة.

ويعطي القانون التونسي الحق للمجتمع المدني في التقدم بمشاريع قوانين للبرلمان لمناقشتها. ويسعى حقوقيون منذ يونيو عام 2016 للقضاء على هذه الظاهرة عبر مشروع قانون وطرحه على البرلمان، علما أن الدستور التونسي ينص على نبذ أي تمييز على أساس لون البشرة، وتأكيده أن “المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز”.

ويركز المشروع الذي ورد في 36 فصلا على ضرورة وضع برامج تعليمية وتربوية تنطلق من مؤسسات التعليم والتربية والتأهيل. ويختص ذلك بتأهيل المربين حول ثقافة المساواة وعدم التمييز، بالإضافة إلى تأهيل القضاة بشكل مستمر ومعمق لتطوير طرق التعاطي مع القضايا والشكاوى المرفوعة أمامهم والتي ترتبط بالتمييز العنصري.

وأكد جمال مسلم رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان لـ”العرب” أن “العنصرية موجودة في تونس.. والقانون خطوة ضرورية وإيجابية لتجريم كل سلوك عنصري”. وتابع “القانون يجب أن يكون أشمل ويضيف حرية الضمير والتمييز على أساس الانتماء الاجتماعي والطبقات المهمشة”.

ويعتقد المراقبون أن الحكومة التونسية حازمة في القضاء على العنصرية بالبلاد، كما أن جهود المجتمع المدني للحد من هذه الظاهرة ستؤتي ثمارها. وقد استحسن التونسيون مايو الماضي اختيار التلفزيون الرسمي شابا أسمر لتقديم النشرة الجوية في خطوة تعيد الاعتبار للمواطنين أصحاب البشرة السوداء، وتدين ضمنيا أشكال الإقصاء والتمييز على أساس عنصري.

4