تونس تتخذ إجراءات أمنية مشدّدة لتأمين موسم حج اليهود إلى كنيس الغريبة

تشهد تونس استنفارا أمنيا كبيرا استعدادا لموسم حجّ اليهود إلى كنيس الغريبة، في جزيرة جربة، الذي سيكون بمثابة امتحان تحدّ للبلاد على صعيدي السياحة والأمن، وسط تقارير غربية تتحدّث عن محاولات مستميتة لتنظيم الدولة الإسلامية لاختراق البلاد.
الأحد 2015/05/03
جربة تستقبل اليهود في احتفال سنوي يعكس تسامح المنطقة وتنوعها الثقافي

تونس - أقال وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي العميد منير الكسيكسي، آمر قوات الحرس الوطني وهو أعلى منصب في الجهاز الأمني. وجاء في بيان مقتضب لوزارة الداخلية، نشرته أمس السبت على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أنه تقرر تعيين العميد لطفي براهم آمرا للحرس الوطني خلفا للعميد منير الكسيكسي، المحسوب على حركة النهضة.

وكان قد عين في منصبه من قبل وزير الداخلية السابق لطفي بن جدو في حكومة التحالف الثلاثي الذي قادته حركة النهضة في أكتوبر عام 2013. ولئن لم توضح الوزارة سبب الإقالة، فإن نقابات أمنية أرجعت ذلك إلى ثبوت إدانته في اتهامات وجّهت له بالوقوف وراء ملفات فساد أمنية.

وكانت النقابات الأمنية قد كشفت أن الكسيكسي أرسل 40 طنا من الأدوية إلى مقاتلين في منطقة الزنتان وبطريقة مشبوهة، وذلك رغم نقص الأدوية بمصحات وصيدليات ومستشفى قوات الأمن الداخلي التونسي. وقال النقابيون الأمنيون إنه تم إعلام بن جدو بهذا التجاوز الخطر فقام باستدعائه فأجابه بتأكيد الخبر وتعلل بدعوى “تحسين العلاقات والتواصل مع الليبيين”، وترك منذ ذلك الحين في منصبه رغم تجاوزه الصارخ.

وتعد إقالة الكسيكسي الأحدث من بين الإقالات التي شملت كبار الضباط والقياديين بالأجهزة الأمنية منذ الهجوم الإرهابي الدموي الذي استهدف متحف باردو في 18 مارس الماضي وأوقع 24 قتيلا بينهم 21 سائحا أجنبيا. وأقرت الحكومة آنذاك بوجود تقصير صلب الأجهزة الأمنية في تأمين المتحف المحاذي لمقر البرلمان.

وتسعى الجهات الأمنية لتفادي هذا التقصير مع استعداد البلاد لاستضافة أحدث أهم الفعاليات التي تشتهر بها على الصعيد العالمي، وهو موسم حجّ اليهود إلى كنيس الغريبة بجزيرة جربة.

وتوقع الناطق الرسمي باسم الجالية اليهودية في تونس، بيريز الطرابلسي، ارتفاع مشاركة اليهود في موسم الحج إلى كنيس الغريبة بجزيرة جربة الواقعة جنوب البلاد إلى أكثر من 3000 حاج من بينهم 200 يهودي قادمون من دول متعددة منها كندا وفرنسا و”إسرائيل”؛ فيما قالت السلطات الأمنية أنها دفعت بتعزيزات أمنية استثنائية ومشددة لإنجاح “الحج” تحسبا لأيّ هجمات إرهابية.

وبدأت جزيرة جربة (جنوب شرق) في استقبال زوار الغريبة هذا العام منذ يوم الجمعة، الأول من مايو، وسيكون يوما 6 و7 من الشهر الجاري، هما يوما أداء طقوس موسم الحج الكبرى لليهود. وقد استبعد بيريز الطرابلسي أن تستغل الجماعات الإرهابية حج الغريبة لتنفيذ أيّ هجمات باعتبار التواجد الأمني المكثف.

من جهته، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية محمد علي العروي أن وزارة الداخلية “شرعت منذ فترة في تعزيز التواجد الأمني بجزيرة جربة وذلك استعدادا لإنجاح موسم حج الغريبة”؛ لافتا إلى أن “الوزارة سخرت عددا كبيرا وهاما من الأعوان لهذه المناسبة”، وكشف أن “التعزيزات الأمنية ستـشمل كامل محافظات الجـنوب التونسي وخاصة جزيرة جربة”.

تونس تراهن على إنجاح موسم حج اليهود لإعطاء صورة إيجابية عن تحسن الوضع الأمني في البلاد بشكل يضمن نجاح الموسم السياحي لهذا العام

وأعلن وزير الداخلية ناجم الغرسلي في وقت سابق أن الحكومة ستكون ممثلة في حج اليهود لكنيس الغريبة عبر عدة وزارات من بينها الداخلية والسياحة وذلك في إطار حرصها على إنجاح موسم الحج وعزمها على اجتثاث الإرهاب.

وبالإضافة إلى ما يعكسه حج اليهود لكنيس الغريبة من تسامح المجتمع التونسي تراهن الحكومة على إنجاح موسم الحج لطمأنة أسواقها السياحية الأوروبية خاصة وبأن تونس “آمنة” وتعد وجهة سياحية مفضلة.

وكان للهجوم الإرهابي، الذي وقع في الكنيس سنة 2002، والذي نفذه تونسي مقيم بفرنسا وتبناه تنظيم القاعدة انعكاسات كبيرة على حجّ اليهود إلى كنيس الغريبة؛ فقبل هذا الاعتداء كان عدد الحجيج اليهود إلى جربة يتجاوز الثمانية آلاف بحسب بيريز الطرابلسي.

وبعد أحداث يناير 2014، تقلّص عدد الحجيج اليهود إلى بضع مئات بسبب تتالي الأزمات السياسية في تونس وتصاعد عنف جماعات إسلامية متطرّفة.

ويخشى اليوم أن تؤثّر تهديدات التنظيمات الجهادية، التي وجدت موطئ قدم لها في تونس، على هذا الموسم الذي يتجاوز بعده الديني ليتّخذ أبعادا اقتصادية واجتماعية وثقافية، نظرا للحركة التي يضفيها على جزيرة جربة.

وكانت تقارير غربية تحدّثت عن محاولات جهادية لاختراق تونس، يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن البلاد لاتزال عصيّة عليه، رغم أنها تعتبر أول مصدّر للمقاتلين لهذا التنظيم المتشدّد في سوريا والعراق؛ فيما أكّد وزير الداخلية التونسي ناجم الغرسلي أن “مخاطر الإرهاب في تونس لا زالت قائمة وتهدد استقرار البلد رغم أن الوضع الأمني يسير نحو التحسن بشكل تصاعدي”.

وقال الغرسلي، على هامش مؤتمر صحفي عقد الأربعاء الماضي، وخصص للنقاش حول الإعلام والإرهاب إن “الوضع الأمني يتحسن بشكل تصاعدي لكن لا يمكن الجزم بأن تونس صارت بمعزل عن خطر الإٍرهاب، والتهديدات الإٍرهابية لا زالت موجودة لذلك يجب عَلينا العمل للتصدي للإٍرهاب وحماية أمن بلادنا ومجتمعنا”.

وقد نشر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قبل حوالي أسبوعين، شريط فيديو يسخر فيه من الحكومة التونسية، وقدم فيه صورة للمقاتلين وهم يلوحون ببنادقهم، ويسخرون من حملة تم إطلاقها لتشجيع السياحة التونسية، بعد الهجوم على متحف باردو في مارس الماضي.

وفي ردّ على الحملة التونسية لتشجيع السياحة، التي حملت عنوان “نعم، سنزور تونس”، أطلق التنظيم حملة مضادة تظهر رجلا يغطي وجهه بقناع أسود، ويحمل في يده كلاشنيكوف، وفي يده الأخرى يحمل عبارة “سأزور تونس في الصيف القادم”.

وذكر موقع “ديلي بيست” الأميركي أن تونس مطمع تنظيم داعش، الذي أعلن في عدّة بيانات له عن “إقامة الدولة الإسلامية في أفريقية”، وهو الاسم القديم لتونس. وتعتبر تونس أفضل بلد عربي يخرج من فترة الفوضى والاحتجاجات، التي أطاحت بالأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن.

وعلى خلاف الحملات السابقة التي قام بها جهاديون للتقدم في مناطق أخرى، يبدو تقدم داعش باتجاه تونس فاترا، وبدلا من الحديث عن وجود علاقة بجماعات محلية، يقوم التنظيم بنشر رسائل تدعو الشبان التونسيين للانضمام إليه.

ويوضح آون زيلين، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن “هناك علامات تقول إنهم يحاولون الإعلان وبشكل رسمي عن ضم تونس إلى نفوذهم”. ويضيف بأنهم “يحاولون خلق زخم وإثارة”.

وتعتبر تونس تحديا أمام تنظيم الدولة الإسلامية نظرا لعدم وجود جماعة تتعاون معه، على نقيض سوريا والعراق ونيجيريا؛ وحتى الجماعة الإرهابية التي تعرف باسم كتيبة عقبة بن نافع، لا تزال تنسق عملياتها مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، المعادي لتنظيم الدولة الإسلامية؛ الأمر الذي يعزز فرص نجاح الحملات الداعمة لتونس.

2