تونس تتراجع في تصنيفات جودة التعليم عالميا

تونس تعاني من ارتفاع نسبة "فقر التعلم" رغم إجبارية التعليم ومجانيته على غرار تراجعها على مستوى مؤشر جودة التعليم للعام 2019.
السبت 2020/01/18
أميون على مقاعد الدراسة

تعد إجبارية التعليم ومحو الأمية من أهم القرارات التي بنيت عليها سياسة الجمهورية التونسية بعد الاستقلال عام 1956. ونجحت الدولة على مدار عقود في إرساء منظومة تعليمية ناجحة، تفوقت من خلالها على العديد من الدول. لكن، هذه الصورة الإيجابية شهدت في العقدين الأخيرين تراجعا لافتا. واليوم تضم المدارس والجامعات عددا هاما من المتعلمين لكن ذلك لا يعكس حقيقة وضع التعليم والبحث العلمي. ورغم إجبارية التعليم ومجانيته تعاني تونس من ارتفاع نسبة “فقر التعلم”.

تونس – تؤكد تقارير دولية ومحلية أن عدد ضحايا نظام التعليم في تونس يتجاوز بكثير أعداد الناجحين. وأشار أحدث تقرير للبنك الدولي حول فقر التعلم إلى أن حوالي 65 بالمئة من التلاميذ التونسيين لا يجيدون القراءة، معرّفا “فقر التعلم” بأنه النسبة المئوية للأطفال في سن العاشرة ممن لا يستطيعون قراءة قصة بسيطة وفهمها.

كما أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إحصائيات صادرة عنها أن 70 بالمئة من تلاميذ تونس لا يجيدون الرياضيات و70 بالمئة لا يجيدون العلوم.

وأكد البنك الدولي في تقريره حول رأس المال البشري في العام 2018، أن تلميذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي الذي يبلغ من العمر 6 سنوات يتوقع أن يخسر 50 بالمئة من قدراته ومدخراته بسبب رداءة التعليم في تونس.

وطرح البنك الدولي هدفا جديدا تمثل في خفض معدل فقر التعلم إلى النصف بحلول عام 2030، معتبرا أن التعليم عامل حاسم في ضمان تكافؤ الفرص وأن العديد من الدول مطالبة بالقضاء عليه حتى لا تعرّض مستقبل الأطفال للخطر.

كما تراجعت تونس على مستوى مؤشر جودة التعليم للعام 2019، وصنفت في المرتبة السابعة عربيا وفي المرتبة الـ94 عالميا بعد أن كانت في مراتب أفضل لسنوات في جودة التعليم وتصنيف الجامعات. وقيم هذا التصنيف دول العالم بدرجات ما بين 1 و7 وذلك على أساس 12 معيارا أساسيا منها البنية التحتية والمؤسسات، وبيئة الاقتصاد الكلي، والتعليم الأساسي والصحة، والتدريب والتعليم الجامعي.

ولم تفاجئ هذه الأرقام المطلعين على واقع المدرسة التونسية، الذين اعتبروها نتيجة منطقية لثلاثة عقود من العبث بقطاع التعليم الذي طال مختلف ركائز المنظومة وخاصّة منها ما يتّصل بالموارد البشريّة، وبرامج التعليم.

ضعف المنظومة التربوية يعود إلى انتدابات عشوائيّة للمدرسين وتشجيع المعلمين ذوي الخبرة على التقاعد المبكر

ويقول الخبير الدولي في التربية عماد بن عبدالله السديري لـ”العرب” تعليقا على التقارير الدولية “إن تونس لا تحترم تعهداتها الدولية وما ورد في اتفاقيات حقوق الطفل”، مشيرا إلى أن الحلول كثيرة لكن مع اعتماد منطق الأولويات. ويوضح أنه “عندما تؤكد التقارير الدولية أن غالبية الأطفال التونسيين لا يجيدون القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم في حدها الأدنى، فعلينا أن نتوقع فشلا تنمويا شاملا”.

وطرح السديري كمثال كم البحوث العلمية التونسية وترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية، لافتا إلى أنها “تكشف عن أزمة بحثية مخجلة، فالأغلبية الساحقة من الجامعات التونسية غير مصنفة دوليا، والسبب الأساسي لذلك يتمثل في غياب البحوث ذات القيمة المضافة”.

ويرجع المتابعون للشأن التربوي ضعف التحصيل العلمي للتلاميذ إلى التخلي عن مدارس إعداد معلمي المرحلة الابتدائية التي زوّدت المدرسة التونسية على مدى عقود بخيرة المدرسين المتمكنين مهنيا. كما أن ضعف المنظومة التربوية إلى التعويل على انتدابات عشوائية للمدرسين، وتشجيع المعلّمين ذوي الخبرة على التقاعد المبكر.

واعتبر سليم قاسم، رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، أن تلك الإجراءات لا مثيل لها في أيّ بلد في العالم، أدت إلى بقاء عشرات الآلاف من التلاميذ دون مدرسين، وساهمت في خلق حاجة فوريّة لانتداب ما يناهز عشرين ألف معلم ليست للمنظومة التربوية أي قدرة على تأطيرهم، بعد انتدابهم، على نحو يطور بصورة فعليّة مهاراتهم.

وقال قاسم لـ”العرب” إن الاعتماد غير المدروس للمقاربة بالكفايات والطريقة الكلية في تعليم القراءة مثلا كارثة حقيقية تجاهلها جميع المسؤولين المتعاقبين على وزارة التربية، غير آبهين بالتدهور الكبير الحاصل في مستوى مكتسبات المتعلمين القابلة للملاحظة بالعين المجردة، والذي أكدته التقييمات الدولية التي أدرجت فيها تونس.

وأشار إلى أن فرص التدارك لا تزال قائمة متى توفرت الرؤية والإرادة الحقيقيتين لذلك، وهو أمر مشروط أساسا بتركيز نظم فاعلة لإدارة الجودة على مستوى المؤسسات التربوية في مختلف مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، مع إرساء منظومة حقيقية لإدارة الموارد البشريّة على مستوى وزارة التربية.

من جهته أكد السديري أن ما ينبغي فعله هو تطوير البرامج الدراسية غير الملائمة، وبناء قدرات المعلمين والأساتذة وتطوير أداء مديري المؤسسات التربوية وإعادة هيكلة وزارة التربية. كما أشار إلى ضرورة تكثيف الدعم في البيت وخلق بيئة محفزة للتعلم من خلال توفير القصص والمجلات وال

65 بالمئة من التلاميذ لا يجيدون القراءة و70 بالمئة لا يجيدون العلوم
65 بالمئة من التلاميذ لا يجيدون القراءة و70 بالمئة لا يجيدون العلوم

ولفت إلى أهمية الدعم النفسي المستمر في خلق تلميذ يرغب في المطالعة والقراءة، مبينا أن على الأسرة أن تنقذ ما فشل النظام التعليمي في إنقاذه، وأن تقوم بتسجيل أبنائها في المكتبات العمومية وأن عليها أن تستفيد من بعض المواقع الإلكترونية المتخصصة في التعليم.

كما لم يستثن السديري الدروس الخصوصية من قائمة الحلول المقترحة لتفادي فقر التعلم وقال “عندما تتخلى المؤسسة التربوية عن أدوارها وعندما تفشل في تحمل مسؤولياتها وتنفيذ وظائفها الأساسية، علينا أن نحترم المصلحة الفضلى للطفل”.

وأضاف “هذا ما يمكن فعله بشكل مستعجل في ظل عدم توفر دعم علاجي من المؤسسات التربوية وفي ظل تأخر إصلاح المنظومة التربوية، ولذلك تلتجئ الأسرة إلى الدروس الخصوصية”.

وفي حديثه عن طرق المعاجلة، أشار الباحث الأكاديمي في التعلمات الجديدة، المازري طبقة، إلى أن العائلة بما تمثله من كيان قوي ومتماسك تعتبر أحد الأنظمة الفرعية للنظام التربوي في تونس لما توفّره من إعداد معنوي للطفل قبل وأثناء مرحلة التعليم.

وقال إن “الإقرار بوجود ضعف في النظام التربوي، إضافة إلى تقلّص القيمة المعنوية للعائلة في المجتمع التونسي، يجعلاننا نفكّر جديّا في تقييم دور العائلة في النظام التربوي وهل تؤدّي ما عليها من أدوار تساهم في نجاحه؟”.

وأضاف أن “العمل على إصلاح المنظومة التربوية يحتم تشريك المعنيين بالأسرة التونسية من منظمات ووزارات إشراف وباحثين والأخذ بعين الاعتبار الدراسات المنجزة”.

كما أكد أن الأسرة التونسية عرفت تغييرات عديدة أثّرت بدرجة كبيرة على اهتمامات الطفل وعلى تصوّره للمدرسة وأهدافها، كما غيرت نظرته لدور المربي ومكانته الاعتبارية وهو ما كان له تأثير كبير على علاقة الطفل بالمدرسة وتشكيل الرابط المعنوي بينه وبين مدرسته.

ويظل إرجاع هيبة التعليم العمومي من أبرز التحديات المطروحة على الأسرة التربوية، كما تبقى المدرسة أهم مجال يقتضي المزيد من التوافق، نظرا إلى دوره في تكوين جيل قادر على مواكبة ما يعيشه العالم من تطورات.

21