تونس تتصدى لمتهمين بالفساد تورطوا في تمويل احتجاجات تطاوين

لاقت حملة الإيقافات التي نفذتها السلطات التونسية في حق عدد من رجال الأعمال، في إطار الحرب على الفساد، ترحيبا محليا واسعا من قبل منظمات المجتمع المدني وأحزاب في السلطة والمعارضة.
الخميس 2017/05/25
الشباب وسيلة الفاسدين للحفاظ على مصالحهم

تونس - تشير الإيقافات التي طالت ثلاثة رجال أعمال أحدهم مرشح سابق لرئاسة الجمهورية، وضابط في الجمارك، إلى أن الاحتقان في محافظة تطاوين جنوب تونس ليس عفويا وتقف وراءه أطراف تصدت لهم الحكومة في إطار معركتها على الفساد.

وتم بموجب قانون الطوارئ المطبق منذ أكثر من عام ونصف إلقاء القبض على كل من شفيق جراية وياسين الشنوفي ونجيب بن إسماعيل، ورضا العياري المسؤول بالجمارك ووضعهم تحت الإقامة الجبرية.

وقال مصدر حكومي رفض الكشف عن هويته إن الموقوفين تورّطوا في قضايا فساد وتهريب وفي المس بالأمن القومي عبر التحريض وتمويل احتجاجات وتظاهرات مناهضة للحكومة في محافظة تطاوين جنوب تونس.

وحاولت “العرب” الاتصال بجهات حكومية لتوضيح أسباب الإيقافات، لكنها فضلت عدم التصريح.

وتعيش محافظة تطاوين الحدودية مع ليبيا منذ حوالي شهرين احتقانا اجتماعيا، ارتفعت وتيرته في نهاية أبريل الماضي، عندما قرر عدد من العاطلين عن العمل الاعتصام في منطقة كامور الصحراوية لقطع الطريق على شاحنات الشركات النفطية المنتصبة في المحافظة. وطالب المحتجون بتشغيل 1500 معطل في الشركات البترولية المنتصبة بمدينتهم و3 آلاف عاطل في شركة البيئة والبستنة، ورصد 100 مليون دينار لصندوق التنمية الخاص بالجهة.

وتقدمت الحكومة بمقترح وصفه مراقبون بـ“التنازلات المؤلمة” في خضم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وقالت مصادر رسمية حينئذ إن العرض يتمثل في الموافقة على توفير ألف موطن شغل هذه السنة، و500 موطن شغل السنة القادمة في الشركات البترولية، و2000 موطن شغل في شركة البيئة والبستنة، وتخصيص 50 مليون دينار لصندوق التنمية بالجهة.

وحظي المقترح وفق وزير التشغيل عماد الحمامي، بموافقة أغلبية الشباب المعتصم، ما أعطى انطباعا بقرب انتهاء الأزمة، قبل أن تقوم أقلية رفضت فض الاعتصام وقامت بغلق مضخة للنفط السبت الماضي، ما دفع الجيش والحرس الوطني (الدرك) للتدخل.

وشهدت المدينة الاثنين احتقانا غير مسبوق، حيث اشتبك المحتجون لأول مرة مع قوات الأمن عندما حاولوا الوصول إلى مضخة النفط التي أعاد الجيش تشغيلها، لغلقها من جديد.

محسن مرزوق: من الضروري إعلان هدنة سياسية ليتحد التونسيون ضد العابثين بأمن الوطن

وتطورت الأحداث في ما بعد حيث قام المحتجون بإحراق مقر الأمن في المدينة وعدد من السيارات الحكومية. وقال مراقبون عقب ما شهدته المدينة من أعمال عنف إن ما يحدث في المدينة رغم ما قدمته الحكومة من تنازلات مؤلمة غايته ليست التنمية كما يبدو وإنما يهدف لإضعاف الدولة خدمة للإرهاب ولحفظ مصالح المهربين والفاسدين.

كما تهدف الاحتجاجات أيضا بحسب متابعين، لتأجيل النظر في مشروع قانون المصالحة المثير للجدل، الذي يهدف للعفو عن عدد من رجال الأعمال المورطين بالفساد في نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

واتهمت الحكومة التونسية على لسان الحمامي أطرافا سياسية ورجال أعمال بالوقوف وراء الاحتجاجات. وقال الحمامي إن لدى الحكومة إثباتات مؤكدة وموثقة حول وجود أطراف تقف وراء تأجيج الوضع من بينها أطراف سياسية تستعد لخوض الانتخابات الرئاسية.

وقال مبروك كورشيد وزير الدولة المكلف بالشؤون العقارية مساء الثلاثاء إن “بعض” المشاركين في أعمال عنف وتخريب ومواجهات مع قوات الأمن حصلت الاثنين في تطاوين “ينتمون إلى شبكات فساد كبرى”.

وأضاف كورشيد في تصريحات تلفزيونية إن “الفاسدين الذين يخوضون معاركهم بإرادة وعزيمة هذا الشباب (في إشارة إلى الشباب المعتصم) يجب أن نتصدى لهم”.

وكانت مجموعة الأزمات الدولية قد حذرت في تقرير بعنوان “الانتقال المعطَّل: فساد ومناطقية في تونس” من “تنامي نفوذ رجال الظل في التحركات الاحتجاجية” بالمناطق الداخلية التونسية.

ولفتت المنظمة إلى أن “بارونات الاقتصاد الموازي وخصوصا التهريب” على الحدود مع ليبيا والجزائر راكموا “مليارات الدولارات” بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي مطلع 2011، وأن بعضهم “ساند” احتجاجات عنيفة بالمناطق الداخلية.

ورفعت الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد من جهودها في مكافحة الفساد والتهريب اللذين نخرا الاقتصاد التونسي. وأدرجت الحكومة محاربة ظاهرة الفساد في البلاد من ضمن أولوياتها وقد أعلن عنها الشاهد، خلال خطابه أمام مجلس نواب الشعب في الجلسة التي خصصت لمنح حكومته الثقة، في شهر أغسطس الماضي.

ونجحت قوات الأمن والجيش طيلة الأشهر الماضية في إحباط عمليات تهريب للسلع بالملايين من الدينارات في مختلف المناطق ولا سيما المنطقة الجنوبية.

لكن معارضين للشاهد اتهموه بالاكتفاء برفع شعارات محاربة الفساد، حيث تقتصر العمليات على ملاحقة صغار المهربين، وطالبوه بفتح ملفات الفساد الكبرى التي يقف وراءها رجال أعمال ومسؤولون في الدولة.

إلا أن مراقبين يبررون تأجيل الانطلاق الفعلي في محاربة الفساد، لعدم الانتهاء من صياغة القوانين اللازمة، كما أن المعركة تتطلب جمع بيانات متعلقة بشبكات الفساد الكبرى في البلاد.

وقوبلت الخطوة الحكومية بترحيب محلي واسع من قبل منظمات المجتمع المدني، وأحزاب سياسية في السلطة والمعارضة.

وقال يوسف بلقاسم المسؤول في منظمة “أنا يقظ” الفرع التونسي لمنظمة الشفافية الدولية “لقد فوجئنا وسعدنا في آن واحد، بتوقيف أسماء كبيرة من بارونات الفساد”.

ووأوضح “فوجئنا لأننا كنا نعتقد أن هذه البارونات اشترت لنفسها حصانة بعدما مولت الحملات الانتخابية للأحزاب الحاكمة اليوم”.

وأضاف “نتمنى أن تكون هذه أول خطوة جدية نحو إعلان الحرب على الفساد والفاسدين مثلما صرح رئيس الحكومة عندما تسلم مهامه (في 2016)، وليس مجرد حلم سرعان ما ينتهي، أو محاولة لذر الرماد في العيون أو لتهدئة الاحتجاجات الحالية في تطاوين ومناطق أخرى”. ودعا الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق إلى إعلان “هدنة سياسية وقتية كبادرة حسن نية حتى يلتف التونسيون حول الراية الوطنية ضد العابثين بالأمن الوطني وشبكات الفساد”.

4