تونس تحارب تاريخا من التمييز العنصري بسلاح القانون

منظمات المجتمع المدني تقر بوجود حوادث عرضية للتمييز العنصري في تونس وتؤكد أنها ليست ناتجة عن سياسة ممنهجة للتمييز ضد الأقليات أو أصحاب البشرة السوداء.
الخميس 2019/04/25
لا ديمقراطية بلا تجريم للتمييز العنصري

تونس - مثلت حادثة قتل رئيس الجالية الإيفوارية، فاليكو كوليبالي، في إحدى ضواحي العاصمة التونسية خلال شهر ديسمبر 2018، فرصة سانحة لتونس، للعمل بأكثر جدية من الناحية القانونية والدستورية لتجريم كل أنواع التمييز العنصري.

فاليكو كوليبالي وهو رئيس الجالية الإيفوارية، تعرض في أواخر عام 2018 إلى محاولة سلب، وحينما حاول مقاومة خمسة أشخاص انتهى به الأمر إلى تلقيه لطعنتين بسكين كانتا كافيتين لكتم أنفاسه.

الحادثة التي صدمت غالبية التونسيين، دفعت بعد ضغوط من جاليات البلدان الأفريقية المقيمة في تونس وكذلك منظمات المجتمع المدني في البلاد، البرلمان التونسي إلى المصادقة على قانون يجرّم التمييز العنصري وهي سابقة في البلدان العربية.

وتأتي المصادقة على مثل هذا القانون بعد أن برزت في السنوات الأخيرة بعض حالات الاعتداءات على بعض الطلبة الأفارقة أو حتى على التونسيون من ذوي البشرة السوداء، ولهذا الغرض فإن القانون لا ينطوي على مطالب لحماية الأقليات فحسب، بل إنه يأتي  للاعتراف بوجود تمييز ضد السود التونسيين أنفسهم في البلاد.

ويجرّم القانون كل أشكال التمييز، وورد في تعريفه بالفصل الأول أنه يهدف إلى “تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، عبر التصدي لمختلف أشكاله (التمييز العنصري) وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم، ووضع الآليات الكفيلة بحماية ضحاياه”.

قانون يجرّم التمييز العنصري يعد سابقة في البلدان العربية
قانون يجرّم التمييز العنصري وهي سابقة في البلدان العربية

كما يقرّ القانون عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات وغرامات مالية ضد مرتكبي أي أفعال عنصرية، أو من يحرضون على الكراهية، كما ينظم عملية التقاضي في مثل هذا النوع من القضايا.

ويقول مستشار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، لزهر القروي الشابي إن “تونس ملتزمة بالقضاء على جميع مظاهر التمييز وتلافي كل النقائص والإخلالات، التي لا تزال عالقة في بعض النصوص القانونية لتحسين ترتيبها ضمن تقارير الدولة ذات العلاقة”.

وتعترف جل منظمات المجتمع المدني المشتغلة في مجال حقوق الإنسان بوجود مظاهر التمييز العنصري في تونس، إلا أن الكثير منهم يصنف هذه الحالات في خانة الحوادث العرضية وليست ناتجة عن سياسة ممنهجة للتمييز ضد الأقليات أو أصحاب البشرة السوداء.

لكن ممثلا عن جمعية الطلبة الأفارقة قال أثناء وقفة احتجاجية تلت الحادثة المذكورة “لطالما اشتكينا، لدى مراكز الأمن، من حالات العنف والعنصرية المسلطين على الأفارقة بتونس، دون أن نتلقى أي رد في الغرض”.

وتابع في ندائه وسط المحتجين من الطلبة “نحن نطالب بحقنا في بطاقات الإقامة كما نطالب بالحماية القانونية والأمنية والعدالة في الحقوق”.

وتطالب منظمة “منامتي” للدفاع عن الأقليات من أصحاب البشرة السمراء بالمزيد من الحماية عبر توسيع الحملات الإعلامية لزيادة الوعي بقضايا التمييز العنصري.

وتعد منظمة “منامتي” من الجمعيات الرئيسية الناشطة في مجال مناهضة التمييز، وهي تقر بوجود تاريخ طويل من التمييز على أساس اللون في تونس.

وتقول رئيسة المنظمة سعدية مصباح عن حادثة تعود لفترة ما قبل صدور القانون “توقفت بمحطة بنزين وانتظرت من العامل نفخ العجلات لكنه رفض لأني سمراء قائلا إنه يرفض الإهانة، وذلك لمجرد نفخ عجلات سيارة أحد المواطنين السود. وتقدمت بشكوى ضده لكن القضاء لم ينصفني”.

السجن ثلاث سنوات وغرامات مالية ضد مرتكبي أي أفعال عنصرية
السجن ثلاث سنوات وغرامات مالية ضد مرتكبي أي أفعال عنصرية

وقد أودعت الجمعية ملفا لدى هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بالتقصي في انتهاكات الماضي بتونس وإرساء العدالة الانتقالية، حول الانتهاكات والتمييز العنصري الذي تعرض له ذوو البشرة السوداء طيلة عقود.

ولفتت سعدية قائلة “يروجون لإحصائيات تقول بأن السود في تونس يمثلون نسبة خمسة بالمئة فقط لكننا لا نرى هذه الأقلية ممثلة في الإعلام والإعلانات الإشهارية (التسويقية) مثلا. لذلك يتعين على الدولة تقديم اعتذار عن 170 عاما من الانتهاكات حتى نستطيع أن نعالج هذه الظاهرة معا”.

وألغى باي تونس أحمد باشا باي في عام 1846 الرق والعبودية. وقد أعلن أحمد باشا في البداية عن قرار يقضي بمنع الاتجار في الرقيق أو استيرادهم عام 1841، ثم أصدر قرارا ثانيا في العام التالي يقر بأن كل من يولد على التراب التونسي حرّ لا يباع ولا يشترى، قبل أن يلغي العبودية والرق نهائيا في العام 1846.

وتتباهى تونس بكونها أول بلد مسلم يتخذ هذه الخطوة وقد سبقت في ذلك عدة ديمقراطيات عريقة في العالم مثل فرنسا والولايات المتحدة. لكن سقوط النظام الاستبدادي عام 2011 أماط اللثام عن واقع لم يكن مألوفا لدى الرأي العام ويتضارب مع تلك الصورة الوردية.

وبعد ثورة يناير 2011، أتاحت حرية الصحافة الكشف عن ممارسات شائعة للتمييز العنصري بين التونسيين أنفسهم بالإضافة إلى جرائم عنف وعنصرية إزاء الأقليات الوافدة من الدول الأفريقية وأغلبها من الطلبة.

وتنتشر الأقلية السمراء في تونس بشكل خاص في المحافظات الجنوبية للبلاد مثل قابس ومدنين وتطاوين وقبلي وقفصة. وظهر بوسائل الإعلام العديد من ذوي البشرة السمراء للحديث عن الانتهاكات واشتكوا من التضييق على فرص العمل والانتداب كما اتهموا الدولة بتعمد إهمالهم في المناصب العليا بالجهات.

وتقول مصباح “التونسيون من ذوي البشرة السوداء مواطنون من درجة ثالثة في تونس. الدستور لا يتحدث عن البعد الأفريقي لتونس التي منحت اسمها للقارة الأفريقية ولا توجد في الإعلانات صور لأطفال من البشرة السوداء باستثناء طفل يحمل اسم مامادو”.

وتضيف رئيسة منظمة “منامتي” إن “إقرار الدولة بوجود تمييز عنصري يعني أنه على المؤسسات تطبيق القانون المتعلق به، والعمل الحقيقي يبدأ من الآن”.

13