تونس تحاصر السوق السوداء بفرض خدمة الدفع الإلكتروني

البنك المركزي التونسي يكشف عن خطة تتمحور حول إنهاء تداول الأموال نقدا في الأسواق المحلية في خطوة تهدف إلى امتصاص الاقتصاد الموازي.
الأربعاء 2018/12/19
بعيدا عن أعين الرقابة

تونس - أعلنت السلطات النقدية التونسية عن خطة لمحاصرة السوق السوداء تركز على فرض خدمات الدفع الإلكتروني في أسواق التجزئة، والتي يتوقع أن تبدأ بتنفيذها منتصف العام المقبل.

وكشف البنك المركزي أنه سينشر تعميما على المصارف قبل نهاية العام يلزمها باستخدام منصة رقمية جديدة يعكف على تطويرها يقول إنها ستسهم في الحد من التعاملات النقدية لقطع الطريق أمام استفحال الاقتصاد الموازي.

ويقول محللون إن الارتفاع المتزايد في استخدام السيولة النقدية خلال السنوات الأخيرة جعل من اعتماد آلية لتقليص التعامل نقدا ضرورة رغم أن الخطوة جاءت متأخرة كثيرا.

وتعمل اللجنة المكلفة بالحد من التعامل نقدا داخل البنك المركزي في الوقت الحالي على إعداد كافة الجوانب التشريعية لهذه الخدمة، والتي يتوقع أن تقلص بشكل كبير من تداول الأموال نقدا.

وقال محافظ البنك المركزي مروان العباسي خلال مؤتمر اقتصادي مطلع الشهر الجاري إن “نظام الحد من التعامل نقدا في البلاد وقطع الطريق أمام الاقتصاد الموازي سيتم تركيزه بداية من شهر يونيو 2019”.

ونسبت وكالة الأنباء الرسمية (وات) للعباسي تأكيده أن البنك المركزي بدأ في العمل على هذا النظام منذ عامين، مشيرا إلى أنه يتعين على المصارف وشركات الاتصالات العمل سويا على النقاط التقنية.

وتتضمن ميزانية العام المقبل إجراء جديدا ينص على عدم إمكانية شراء عقار أو سيارة بمبلغ يفوق 10 آلاف دينار (3.4 آلاف دولار) نقدا مع ضرورة تقديم ما يفيد بالدفع عن طريق حساب مصرفي أو بريدي.

وكان العباسي، قد أكد قبل أشهر أن حجم السيولة النقدية خارج القطاع المصرفي يصل إلى حوالي 4 مليارات دينار (1.4 مليار دولار). وقال إن “هذا الوضع يفرض علينا تطوير المعاملات الرقمية للتحكم في السيولة وإرساء نظام دفع إلكتروني شفاف”.

وتزايدت الضغوط على الحكومة لتسريع برنامج رقمنة التعاملات التجارية للنهوض بالاقتصاد المحلي الهش بعد أن تأثر كثيرا بالتعاملات النقدية داخل السوق الموازية وضعف النظام المالي، الذي يمر بمرحلة حرجة للغاية جراء شح السيولة من السوق نتيجة انكماش الأنشطة الاقتصادية.

مروان العباسي: سنطلق منصة رقمية متطورة لخدمة الدفع الإلكتروني في يونيو 2019
مروان العباسي: سنطلق منصة رقمية متطورة لخدمة الدفع الإلكتروني في يونيو 2019

وكشف غياب وسائل الدفع الإلكترونية في عديد القطاعات بأسواق التجزئة عن عجز السلطات المالية في اعتماد رؤية تكبح التعامل بالأوراق النقدية، والتي فاقمت من متاعب المصارف في السنوات الأخيرة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة.

ويتفق خبراء أسواق المال في تونس على أن اعتماد التكنولوجيا المالية سيتيح للسلطات معرفة تحركات الأموال التي تدور في السوق السوداء على وجه التحديد.

ورغم محاولات المركزي لامتصاص الاقتصاد الموازي، الذي استنزف موارد الدولة بشكل كبير في السنوات الماضية وجعلها تغرق في أزمات متلاحقة، إلا أنه لم ينجح حتى الآن في مساعدة المصارف المحلية التي تعاني من نقص السيولة.

وأدى التعامل نقدا بين المستهلكين في الوقت الراهن إلى بروز أزمة سيولة في المصارف، والتي تحتاج إلى إعادة تمويل يوميا، بما قدره 4.93 مليار دولار، مقابل 2.17 مليار دولار قبل ثماني سنوات.

وتشير التقديرات إلى أن التعاملات النقدية في السوق المحلية استنزفت طاقة المصارف وجعلتها تعاني من شح في السيولة يعادل نحو 9 مليارات دينار (نحو 3.63 مليار دولار).

وتبلغ قيمة الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة في البنك المركزي قرابة 11.8 مليار دينار (4.85 مليار دولار)، وفق آخر إحصائيات رسمية.

ويشكل إدماج السوق الموازية في الاقتصاد الرسمي، أحد أبرز مطالب النقابات والاتحادات التجارية وفي مقدمتها الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة والصناعات التقليدية (يوتيكا) للخروج من نفق الأزمة.

ويقول أحمد طرشي، كاتب عام البنك المركزي، إن ملف التعامل نقدا في السوق اليوم لا يهم البنك المركزي فحسب، بل يهم كل الفاعلين الاقتصاديين سواء الدولة أو البنوك والمؤسسات أو حتى القطاع الخاص.

وتظهر البيانات أن قرابة 6.5 مليون تونسي لديهم هواتف ذكية، وفي حال تم تطوير آلية الدفع عبر هذه الأجهزة، فستكون أسرع آلية تعتمدها تونس للدفع الإلكتروني، فيما يلجأ نحو 3 ملايين تونسي للسوق الموازية.

وتشير الإحصائيات إلى أن 20 بالمئة ممن يمتلكون حسابات مصرفية أو بريدية لديهم بطاقات للدفع الإلكتروني، وأن 20 بالمئة ممن لديهم بطاقات فقط يستعملونها لدفع الفواتير.

وفي ظل معدل التضخم المرتفع والذي يبلغ 7.4 بالمئة، ومع الانزلاق المتواصل لقيمة الدينار أمام العملات الأجنبية، فإن المجال الرقمي يشكل دعما كبيرا للاقتصاد بفضل الكفاءات التونسية القادرة على إنقاذ البلاد.

ورغم المحاولات الحكومية المتقطعة، لم تتمكن التجارة الإلكترونية من افتكاك مكان لها عالميا، كما هو الحال في عدة بلدان عربية نجحت في تطوير هذا النشاط.

10