تونس تحاول ضبط انفلات تجارة الملابس المستعملة

نقابات ولوبيات القطاع تتصدى لخطط التضييق على تجارة "الفريب".
السبت 2019/12/07
ملاذ الفقراء والأغنياء

أثارت محاولات الحكومة التونسية إجراء إصلاحات عميقة لتنظيم تجارة الملابس المستعملة وتقليص وارداتها، انتقادات وردود فعل غاضبة وصلت إلى تهديد التجار بالدخول في إضراب مفتوح وإحالة ما يصل إلى 200 ألف عامل على البطالة القسرية.

تونس - طفت على السطح في تونس خلال الأيام القليلة الماضية أزمة حادة بين السلطات وتجار الملابس المستعملة أو ما يطلق عليه بالعامية “الفريب” بسبب الخطط الحكومية المتعلقة بتنظيم القطاع.

وأعلنت الإدارة العامة للديوانة (الجمارك) التابعة لوزارة المالية أواخر نوفمبر الماضي عن قرارات جديدة تتعلق بتشديد قواعد الرقابة على الشركات العاملة تحت نظام التحويل لتوريد وفرز وتحويل الملابس والأحذية المستعملة.

وتظهر الأرقام الرسمية أن عدد شركات تجارة الجملة في القطاع يبلغ 54 شركة وجميعها لها الحق في التمتع بامتياز المستودعات الصناعية.

وتقول الحكومة إن الإجراءات الجديدة تهدف بالأساس لتنظيم القطاع عبر فرض رسوم جمركية على وارداته وضبط سلسلة الإنتاج والإمداد لمعرفة حجم السوق بشكل دقيق.

ويعتبر تجار القطاع، الذي تديره “لوبيات الملابس المستعملة”، وفق ما يصفه البعض من المسؤولين، أن الحكومة تتخذ من ترشيد الواردات ذريعة، لسحب حق التوريد منهم.

وعجت الشبكات الاجتماعية وخاصة فيسبوك الأكثر استخداما في تونس بانتقادات كثيرة للحكومة كونها لم تراع الموازنة المحدودة والمتواضعة للأغلبية الساحقة من المواطنين.

وفي خطوة تصعيدية، أوقفت الغرفتان النقابيتان للمؤسسات الصناعية وتجار الجملة المنضويتان تحت الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة (يوتيكا) نشاطهما المتعلق بالتوريد والتصدير والتوزيع والتصنيع والتدوير بداية من الجمعة على أن يدخل القطاع في إضراب عام يوم 20 ديسمبر الجاري.

ووفق بيان مشترك للنقابتين تلقت “العرب” نسخة منه فإن قرارهما يأتي “لعدم استجابة الديوانة ووزارة التجارة والوزارات الأخرى المتدخلة بالقطاع لتحديد موعد لقبول وفد عن الغرفتين لفتح باب الحوار بخصوص الإجراءات الجديدة”.

كما اعتبرتا أن الإجراءات الجمركية الأخيرة تعد “تعسفا صارخا يحكم على النوايا التي يستسيغها من ينوي تنفيذها ولا على الأفعال الحقيقية التي يقوم بها المورد صاحب البضاعة”.

وتتداخل في تجارة قطاع الملابس المستعملة عدة وزارات وهي الداخلية والمالية والصناعة والشؤون الاجتماعية إلى جانب وزارة التجارة.

وتخوض السلطات منذ عامين تقريبا معركة تحصيل الضرائب من القطاعات التي تعمل ضمن الأسواق السوداء، لتعزيز خزينة الدولة بموارد إضافية.

ونسبت وكالة الأنباء الرسمية لرئيس غرفة تجار الجملة الصحبي المعلاوي قوله الاثنين الماضي إن “المهنيين مستعدون للدخول في إضراب عام والانقطاع عن هذا النشاط ذي الطابع الاجتماعي، الذي ينتفع منه 94 بالمئة من التونسيين”.

أرقام تجارة الملابس المستعملة

  • 200 ألف فرصة عمل يوفرها القطاع
  • 54 شركة منتشرة في معظم الولايات
  •  310 تجار جملة يعملون في القطاع
  •  3250 تاجرا مفردا يعمل في القطاع
  •  20 مليون دولار عوائد التصدير سنويا
  •  70 مليون دولار قيمة الواردات سنويا
  •  94 بالمئة من السكان زبائن للقطاع

ويعمل في قطاع الملابس المستعملة حوالي 310 تجار جملة وأكثر من 3250 تاجر تفصيل موزعين على كامل ولايات البلاد الأربع والعشرين.

ووفق التقديرات، فإن القطاع يشكل مورد رزق لحوالي 200 ألف شخص، لكن أغلب المهنيين في هذه التجارة لا يعتبرون تلك الإحصائيات دقيقة لأن هذا النشاط غير مهيكل.

واعتبر المعلاوي أن قرار الإدارة العامة للديوانة “هجمة شرسة على قطاع الملابس المستعملة”، والتي من شأنها أن تهدد استدامة القطاع.

ويمنع القرار فرز الأحذية المستعملة في مصانع توريد وتصدير وتدوير الملابس المستعملة واعتبار ذلك “جنحة واختلاسا لسلعة محجرة تحت القيد الديواني”، مما يعني أن صاحب المعمل أصبح مهددا بالسجن.

ويتعارض هذا الإجراء تماما مع القانون الصادر في عام 1995، المنظم للقطاع، والذي يمنع توريد الحاويات المفروزة والنصف مفروزة من الملابس المستعملة أو الجلود ويفرض فرزها في مصانع الملابس المستعملة.

وتحدد تلك العملية عادة جودة السلع وتعمل على إعادة تصدير الأحذية الصالحة للاستعمال باتجاه الأسواق الأفريقية وإتلاف الأحذية المهترئة.

وتشير وزارة التجارة إلى أن 140 ألف طن من الملابس المستعملة تدخل السوق المحلية سنويا، من بين 80 ألف طن يتم استيرادها، يذهب أغلبها إلى تصديرها مرة أخرى إلى دول أفريقية وأوروبية.

وكان وزير التجارة في حكومة تصريف الأعمال عمر الباهي قد أكد مرارا على مسألة تشجيع الوزارة لتصدير الملابس المستعملة لتوفير المزيد من العملة الصعبة.

وقال مطلع هذا العام “نحن نشجع على التصدير ووضعنا إجراءات للتأكد من أنه تصدير فعلي وليس صوريا.. ومن الإجراءات التي قمنا بها التأكد من مداخيل التصدير في هذا المجال”.

وأشار حينها إلى أن رئاسة الحكومة شكلت لجنة خاصة لمزيد إحكام وتنظيم قطاع الملابس المستعملة، لكن لا توجد أي معطيات حول النتائج التي بلغت تلك اللجنة.

وبحسب الإحصائيات الرسمية، فإن عوائد تصدير الملابس والأحذية المستعملة سنويا تتجاوز سقف الستين مليون دينار (نحو 20 مليون دولار).

في المقابل، تشير التقديرات إلى أن قيمة ما يتم استيراده يبلغ 200 مليون دينار (قرابة 70 مليون دولار) كل عام.

وتمثل تجارة الملابس المستعملة متنفسا للآلاف من الأسر ضعيفة المداخيل، ولذلك فإن احتمال التضييق أكثر على هذا النشاط قد يزيد من متاعب الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

ولا يعود الإقبال على محلات بيع الملابس المستعملة إلى ضعف القدرة الشرائية لمعظم التونسيين فقط، بل لأن تلك النوعية من المنتجات ذات جودة عالية وأيضا سعرها في المتناول وأفضل من السلع المستوردة من الصين وتركيا.

وتواجه تونس شحّا في الموارد المالية، بسبب قصور في التحصيل الضريبي وتوسع الاقتصاد الموازي الذي بات يستأثر بأكثر من 50 بالمئة من حجم الاقتصاد الرسمي.

11