تونس تحتفي برواد المسرح الاجتماعي عربا وأفارقة

احتفى مهرجان أيام قرطاج المسرحية في تونس بالفنان المصري محمد صبحي والفنانة الكينية مومبي كينغوا، والتونسية أنيسة لطفي وأحمد بن معاوية، ويأتي التكريم اعترافا بما قدمه هؤلاء للمسرح الاجتماعي ونقلهم لهموم أوطانهم والتزامهم بالمسرح كرسالة مهمته الأساسية تناول قضايا الإنسان، كما جسد التكريم نقطة التقاء بين المسرح العربي والأفريقي، وفرصة لإحياء التبادل الثقافي والفكري.
الخميس 2017/12/14
المكرمون الأربعة جمعهم حبهم للفن الرابع

كرم مهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورته الـ19 المقامة حاليا بتونس، قامات مسرحية تونسية وعربية وأفريقية بفضاء النجمة الزهراء بضاحية سيدي بوسعيد التونسية، بحضور مدير المهرجان، حاتم دربال، وشخصيات فنية، إضافة إلى حضور إعلامي مكثف.

واختار المهرجان لهذا العام تكريم الفنان المصري محمد صبحي والفنانة الكينية مومبي كينغوا والفنانة التونسية أنيسة لطفي، وأيضا الفنان التونسي أحمد بن معاوية.

ويأتي احتفاء المهرجان بهم كاعتراف بما قدموه طيلة سنوات طويلة للمسرح وللمشهد الفني في العالمين العربي والأفريقي، خاصة وأن المكرمين تميزوا بانحيازهم للقضايا الإنسانية ونقل الواقع الاجتماعي لأوطانهم.

صبحي وتونس

بدأ حفل التكريم بعرض فيلم تسجيلي يتحدث عن السير الذاتية للفنانين المكرمين، وقال مدير المهرجان حاتم دربال على هامش الحفل إن “تونس تفخر وتتشرف بتكريم هؤلاء المسرحيين عن مجمل أعمالهم لتميز تجاربهم وعطائهم الزاخر للمسرح”.

واعتبر دربال أن “هذا التكريم بمثابة نقطة التقاء بين المسرح التونسي والعربي والأفريقي، نظرا لتجاربهم المضيئة”.

وانطلق حفل التكريم مع الممثل المصري محمد صبحي، وهو ممثل ومخرج مصري بدأ مسيرته الفنية في منتصف الستينات من القرن الماضي، وقدم الكثير من الأعمال الفنية من سينما ودراما، لكنه تميز خاصة في المسرح، ومن أبرز مسرحياته “ماما أميركا” و”هاملت”.

ويعد صبحي صاحب مسيرة رائدة في المسرح، كما يعرف بالتزامه في العمل المسرحي وانضباطه الفني، ويصف بعض الفنانين صبحي بـ”الدكتاتور” الذي يعمل بدقة أثناء البروفات والأداء، ويعرف عنه انحيازه للعمل في المسرح أولا، حيث يلاحظ أنه ابتعد عن السينما والتلفزيون تدريجيا. وتميز صبحي بتناوله للقضايا الاجتماعية ونقله لهموم الشارع عبر كوميديا ساخرة تنجح في رسم البسمة من جهة، وتسلط الضوء على إشكاليات المجتمع وتدعو إلى معالجتها من جهة أخرى.

الفنانة الكينية موباي تعبر عن سعادتها بالتكريم وبتسليط المهرجان الضوء على المسرح الأفريقي

وقال صبحي إنه سعيد بهذا التكريم الثاني له في تونس، وكان الفنان المصري قد تم تكريمه عام 1992 في إطار نفس التظاهرة المسرحية.

وأردف قائلا متأثرا بأجواء التكريم “جئت من دفء القاهرة لأجد دفئا كبيرا يحتضنني بالبلد الذي حين قرّرت أن أسافر أول مرة في حياتي، كانت وجهة الطائرة هي تونس”.

وعرض صبحي عام 1975 مسرحيته الأولى في تونس، وهي الأولى من بطولته بمشاركة أبرز نجوم المسرح والفن العربي آنذاك وهما محمود المليجي وتوفيق الدقن.

وتحمل المسرحية عنوان “انتهى الدرس يا غبي” من تأليف لينين الرملي وإخراج السيد راضي، وقام صبحي بدور “سطوحي”، وهي شخصية من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأشار صبحي إلى أن له ذكريات كثيرة في المسرح البلدي للعاصمة تونس الذي يتمنى الوقوف على خشبته مرة أخرى.

وقال ممازحا الحضور “لم أنس أول عرض لي في تونس، عندما بدأ العرض كانت هناك عاصفة من التصفيق للفنان الكبير محمود المليجي وبقية الممثلين بالمسرحية، لكن عندما اعتليت المسرح لم يصفق لي الجمهور، كان التصفيق باستحياء”.

وأضاف “كانت لحظة قاسية بالنسبة لي، خاصة أنني كنت في أولى محاولاتي للوصول إلى الجمهور العربي، كما أنني مازلت لم أعرف بعد فنيا في بلدي”.

واستدرك صبحي قائلا “لكن بعد العرض الأول، لاحظت تفاعل الجمهور معي والتصفيق الحار الذي نلته بعده، فأدركت حينها أنني أمام جمهور واع ومثقف”، واصفا الجمهور التونسي بأنه “يحمل شعلة من الثقافة”. وأضاف “حينها قال لي المليجي، في الاستراحة، اليوم الجمهور التونسي ختم على شهادة ميلادك الفنية”.

وعبر صبحي عن سعادته بقيمة أيام قرطاج المسرحية، وقال “هذا المهرجان كافح كثيرا ليكون منارة للمسرح على غرار المهرجانات العربية الأخرى”، مشيرا إلى أن “هناك حاجة إلى تواصل ثقافي بين الشعوب العربية تقلص في السنوات الأخيرة بسبب ظروف المنطقة”.

وقال “نحن مثلا لم نحتج إلى المسرح الأفريقي كمشاهدة، لكن كمؤلفين وكتاب، وكنت شاركت في أعمال أفريقية في السبعينات”.

وعن رأيه في دور الثقافة في تعزيز روح المواطنة، أوضح صبحي أن “الثقافة ليست كتابا أو مسرحا أو سينما أو فنا تشكيليا فقط، الثقافة هي أن تبني بلدا وتنتج مواطنا جيدا”.

وأشار صبحي “نحن لا نتعامل مع الثقافة بالتمسك بجذورنا، كما أننا لا نتمسك بالتراث، لا أعمّم، لكن هذا من وحي التجربة والواقع اللذين عايشتهما”، وبيّن قائلا “الثقافة أولها في رأيي التراث”.

وعن واقع المسرح التونسي والعربي أردف الفنان المصري قائلا “المسرح في تونس لا أراه، كما لا أراه في مصر وفي كل المنطقة العربية، بسبب المحنة الثقافية التي نعيشها اليوم”.

وأضاف “لكنني واثق أننا سنعود ليكون المسرح رافدا أساسيا للثقافة، وليبني مواطنا وجيلا ينتمي إلى وطنه وتراثه”.

 
محمد صبحي: التواصل الثقافي بين الشعوب العربية ضرورة ملحة في ظروفنا الراهنة
 

وقال “أتمنى أن يعتني الجيل الجديد بالتراث ويوجه رسالة حقيقية عبر المسرح، المسرح لا يستطيع أن يقوم بثورة، ولم يقم يوما ما بثورة، لكن يستطيع أن يصنع ثورة إنسانية”.

وعن عودته إلى نشاطه المسرحي بعد انقطاع دام 12 عاما، أشار محمد صبحي إلى أن “حياته بلا مسرح هي حياة بلا أكسجين”.

وقال “أنا أتنفس الآن بعد توقّف لي دام 12 عاما، وأقدم مسرحية من تراث نجيب الريحاني بعنوان ‘غزل بنات’، إضافة إلى مسرحية ‘خيبتنا\'”.

وأشار صبحي إلى أن “مسرحية خيبتنا كانت ستعرض عام 2011، لكن تأجلت بسبب الظروف السياسية آنذاك، حتى لا يتم تأويلها ووضعها في خانة تصدير موقف”.

وأضاف “لكن بعد مرور 6 أشهر تقريبا تيقنت أن المسرحية تناولت ما حدث في المنطقة ككل، وهنا تكمن قيمة الرواية”.

وبيّن قائلا “قيمة العمل المسرحي في إشارته إلى الماضي ونقله للحاضر واستشرافه للمستقبل”، ولفت إلى أنه سيخصص عملا مسرحيا للشباب بعنوان “نجوم الظهر” يهدف إلى بحث قضاياه الحقيقية كالبطالة من جانب نفسي.

وأعرب صبحي في ختام كلمته في حفل تكريمه عن رغبته في أن تعود مثل هذه المهرجانات حتى تكون مكسبا ثقافيا حقيقيا.

وأردف قائلا “سعيد جدا بالدفء الذي لمسته في القاعة، شكرا تونس، كانت انطلاقتي فيها وشهادة ولادتي الفنية، ومنها تكون النهاية في هذا التكريم، شكرا تونس”.

 

تكريم تونسي وأفريقي

 

دعا بدوره الفنان المسرحي التونسي أحمد بن معاوية والمكرم أيضا في أيام قرطاج المسرحية، إلى ثورة ثقافية حقيقية، للارتقاء بالواقع التونسي، كما أعرب عن سعادته بهذا التكريم، الذي يعترف بما يقدمه الفنان رغم المحن التي يعيشها.

وأحمد بن معاوية فنان تونسي قدم الكثير من الأعمال المسرحية والدرامية والسينمائية من بينها مسرحيات “الحلاج”، “ريتشارد الثالث” و”قوايل الرمان”.

وعبّرت بدورها أنيسة لطفي، وهي ممثلة تونسية سينمائية ومسرحية بدأت مشوارها الفني بفرنسا قبل أن تشارك في عدة أعمال ببلادها، عن سعادتها بالتكريم الذي يعدّ تتويجا لمشوار بدأته مع فرقة مسرح مدينة تونس بدعم من الفنانة التونسية منى نورالدين والراحل علي بن عياد.

كما عبرت الفنانة الكينية موباي عن سعادتها بالتكريم وبتسليط المهرجان الضوء على المسرح الأفريقي، وموباي تهتم في أعمالها بالواقع الأفريقي وتحرص على نقل همومه في عروض دولية وعواصم غربية عدة.

وكان من المفترض أن يتم تكريم هؤلاء الفنانين في ختام المهرجان، إلاّ أن التزامات محمد صبحي الفنية لم تسمح بذلك، ومن المنتظر أن يتم تكريم الفنانة السورية سلاف فواخرجي في حفل الاختتام السبت.

وانطلقت الدورة الـ19 لمهرجان أيام قرطاج المسرحية يوم 8 ديسمبر الجاري، ومن المقرر أن يستمر حتى الـ16 من الشهر نفسه، ويقدم نحو 105 عروض مسرحية.

16