تونس تحصي أصولها الزراعية بحثا عن بوصلة جديدة

رهان جديد للحكومة بعد تعثر رهاناتها السابقة لتحريك الاقتصاد، وعملية إحصاء شاملة لمعرفة مواطن الخلل وفرص النمو المهملة.
الاثنين 2018/03/05
مقارنة حسابات البيدر والحقل

تونس – كشفت وزارة الفلاحة التونسية أنها تعكف على وضع اللمسات الأخيرة استعدادا للقيام بأول إحصاء زراعي في تاريخ البلاد، والذي يتوقع أن يعطي ملامح دقيقة عن حجم الأصول في هذا القطاع الاستراتيجي.

واعترف عبدالحليم القاسمي، مدير الإدارة العامة للدراسات والتنمية الفلاحية في الوزارة، بأن العملية جاءت متأخرة قياسا بدول عربية وأفريقية على غرار المغرب ومصر والسعـودية والأردن وسلطنـة عُمان والسنغال.

لكنه أكد أن الهدف الأساسي من الخطوة، التي تأتي ضمن مبادرة عالمية أطلقتها منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة في السنوات الأخيرة، هو حصر كل الممتلكات والعاملين في هذا القطاع وفق رؤية تضمن مستقبل الأجيال المقبلة.

 

أكد خبراء أن اتجاه تونس نحو إحصاء أصولها الزراعية للمرة الأولى في تاريخها جاء متأخرا، لكنه يمكن أن يضع بوصلة جديدة لتطوير استثمارات القطاع، في ظل امتلاك البلاد مقومات كبيرة لتحقيق تنمية مستدامة في إحدى ركائز النمو الاقتصادي

وقال “نريد الحصول على معطيات شاملة ودقيقة في القطاع، من أجل رسم الاستراتيجيات الزراعية المستقبلية، وصناعة القرار السياسي والاقتصادي للقطاع”.

ولطالما أكد خبراء بأن تونس بحاجة ماسة لوضع استراتيجية شاملة لتطوير القطاع ومعالجة الاختلالات التي يعاني منها والتي تفاقمت بدرجة خطيرة خلال السنوات الماضية بسبب ارتباك السياسات الحكومية وتزايد وطأة التغير المناخي.

ورغم أن البلاد تواجه أزمة نقص حاد في المياه الصالحة للري أو الاستهلاك البشري، ما يجعلها أمام تحدّي إعادة النظر في الخارطة الزراعية، لكن هناك إصرارا كبيرا على ما يبدو للاستثمار في القطاع.

ويعتقد البعض أن تونس قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي حين تغير الحكومة رؤيتها للزراعة، التي لا تزال مهمشة حيث لا تزال تعتبرها مكملة للتجارة.

ويتوقع أن يبدأ الإحصاء الزراعي في أكتوبر المقبل وسيمتد لمدة ثمانية أشهر تتخللها عملية تحليل البيانات على أن يتم نشرها في مايو العام المقبل.

وأشار القاسمي، في مقابلة مع الأناضول، إلى أن بلاده اعتمدت في الماضي على مسوحات دورية في القطاع، كان آخرها في عام 2005، حيث تم تعداد آنذاك حوالي 516 ألف مزارع.

عبدالحليم القاسمي: نريد حصر الممتلكات والعاملين بالقطاع لضمان مستقبل الجيل القادم
عبدالحليم القاسمي: نريد حصر الممتلكات والعاملين بالقطاع لضمان مستقبل الجيل القادم

وقال “اليوم تغير الوضع كثيرا وبالتالي علينا تحيين البيانات المتعلقة بالمزارعين ونوعية نشاطهم إلى جانب الأراضي الزراعية المستغلة ومساحتها ونوعية إنتاجها ومصادر الري والآلات المستخدمة”.

كما ستشمل عملية الإحصاء التي ستكون في استمارة تحوي 40 سؤالا، وفق الوزير، كل ما يخص القروض والمديونية الزراعية.

ووفق أرقام لوزارة الفلاحة، فإن مجموع الأراضي القابلة للزراعة في تونس، يبلغ حوالي خمسة ملايين هكتار، أي أن المستغل لا يتجاوز 24 بالمئة.

ولإنجاح أول إحصاء في القطاع، رصدت الحكومة ميزانية تقدر بنحو 25 مليون دينار (10 ملايين دولار) إلى جانب الحصول على مساعدات من منظمات دولية، تتمثل في توفير خبرات دولية متخصصة في إنجاز مثل هذه المسائل.

ولم تغفل الحكومة عن تقديم الدعم اللوجستي لاتمام المهمة، حيث خصصت 250 سيارة جديدة ومنحت الجهات المشرفة إمكانية توظيف مؤقت لنحو 800 موظف إحصاء يعملون في الميدان، إلى جانب مشرفين من وزارة الفلاحة ومن خارجها ليصل العدد إلى ألف شخص.

ولفت القاسمي إلى أن الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري ومؤسسات أخرى من خلال شبكة اتحاداتها الجهوية والمحلية المنتشرة بالبلاد ستكون شريكا أساسيا بموجب اختصاصها وإلمامها بالقطاع ومن شأنها أن تساعد كثيرا في إنجاح العملية.

أما بخصوص عملية إحصاء أصول مجال الصيد البحري، أكد القاسمي أنه سينجز مع نهاية العام المقبل.

وأشار المسؤول التونسي إلى أنه سيكون أسهل بكثير من المجال الزراعي باعتبار أنه يهم المناطق الساحلية فقط لإحصاء الصيادين والمراكب وكل العاملين فيه بشكل مباشر أو غير مباشر.

5.5 بالمئة نسبة نمو القطاع الزراعي هذا العام وفق توقعات وثيقة الميزان الاقتصادي الحكومية

ووفق بيانات رسمية، يبلغ عدد الممارسين لمهنة الصيد البحري والعاملين في المجال الذي يوفر مداخيل كبيرة من خلال استثمار الثروة السمكية، نحو 60 ألفا.

ويحتل القطاع الزراعي مكانة محورية في الاقتصاد التونسي، إذ يساهم بنسبة 9 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي، وما بين 9 و10 بالمئة من مجموع الصادرات سنويا، ويستقطب 8 بالمئة من مجموع الاستثمارات، ويشغل 15 بالمئة من إجمالي اليد العاملة.

وسجل القطاع الزراعي والصيد البحري في تونس، نموا العام الماضي بنسبة 2.5 بالمئة، وفق المعهد الوطني للإحصاء، ويتوقع أن يبلغ هذا العام 5.5 بالمئة، حسب وثيقة الميزان الاقتصادي الحكومية.

وبدأت تونس منذ العام الماضي بالتعاون مع خبراء الأنظمة المعلوماتية بتنسيق جهودها لرقمنة الزراعة، في مسعى منها للحد من موجة الجفاف التي ضربت البلاد في السنوات الأخيرة وجعلت القطاع من أضعف المجالات مردودية.

وأطلق المعهد الوطني للزراعات الكبرى في يناير العام الماضي نظاما مبتكرا يتيح للمزارعين الحصول على بيانات تهدف إلى تطوير وزيادة إنتاج المحاصيل، وذلك من خلال تطبيق عبر الهواتف الذكية.

10