تونس تخط مسارا تاريخيا نحو الديمقراطية

الأربعاء 2014/11/05

الأحد 26 أكتوبر 2014 توجه التونسيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب البرلمان الأول ما بعد الثورة في البلاد، وهو السلطة التنفيذية حسبما ينص عليه الدستور الجديد. وهذا الشهر سيعود التونسيون إلى صناديق الاقتراع مجددا لانتخاب رئيس جديد مع إمكانية تنظيم دورة ثانية في ديسمبر.

كنت هناك في مساعدة ترأس بعثة المراقبة عن المعهد الجمهوري الدولي وأدهشني وصول تونس إلى هذه المرحلة. منذ سنة 2011 حققت تونس تقدما بطيئا لكن ثابتا في تحولها من نظام حكم تسلطي إلى نظام حكم ديمقراطي. وبينما ينشغل معظم الشرق الأوسط هذه الأيام بخطر الدولة الإسلامية في العراق وإرهابيي داعش في سوريا، وتغص الأخبار العالمية بالتخوف من وباء الإيبولا وغزو روسيا الجاري لأوكرانيا، تتحول تونس شيئا فشيئا إلى رمز للتفاؤل وإمكانية إرساء الديمقراطية في المنطقة. البعثة الدولية التابعة للمعهد الجمهوري الدولي ضمّت ملاحظين على المدى الطويل تم نشرهم منذ أواخر أغسطس فضلا عن ملاحظين ليوم الانتخابات عاينت التصويت وعد الأصوات، كما ضمّت ملاحظين من بلجيكيا وفرنسا والولايات المتحدة. ومثلما ذكرنا في بياننا “انتخابات 26 أكتوبر تمثل علامة فارقة في ترسيخ المؤسسات والممارسات الديمقراطية. أدلى قرابة ستين بالمائة من العدد الجملي للمسجلين في الانتخابات البالغ 5.2 مليون ناخب بأصواتهم في الانتخابات التي وصفها رئيس البعثة أندروس. ناتسيوس “خطوة إلى الأمام في طريق تونس الصعب نحو الديمقراطية”.

الشعب التونسي جدير بالفخر لوصوله إلى تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، وذلك بعد مواجهته لتحديات صعبة مثل التعامل مع التهديدات من المتطرفين داخل البلد وخارجه، وإيجاد طريقة منظمة لتمكين قرابة 360 ألف منتخب تونسي في الخارج من احتساب أصواتهم، وتحضير الصناديق ومحطات الاقتراع لأول انتخابات منذ سنة 2011، وفي نفس الوقت التحضير لانتخابات رئاسية ستنظم بعد أربعة أسابيع فقط.

بعد طرد زين العابدين بن علي من السلطة في سنة 2011 على إثر موجة من الاحتجاجات الشعبية، لم يرضخ التونسيون لصعود رجل قوي آخر أو سمحوا بملء الجماعات المتطرفة للفراغ، بل شرعوا في ملحمة كتابة دستور جديد. أثناء فعل ذلك دعيت كل الأصوات السائرة في الاتجاه السائد في البلاد إلى المساهمة والمشاركة وتم العمل على تشكيل الصيغة الخاصة بهم لتحديد العلاقة بين المواطنين والحكومة. وكما هو متوقع ظهرت تحديات عديدة خلال العملية منها دور الدين في الحكم والحياة اليومية، وحرية التعبير والصحافة وغيرها. وفي كل خطوة من الطريق تفادى الخصوم السياسيون السقوط في الهاوية ليحلوا خلافاتهم على طاولة المفاوضات عوضا عن اللجوء إلى الشارع.

وبنجاح هذه الانتخابات البرلمانية يمكن لتونس أن توجه اهتمامها الآن إلى دعم مؤسساتها الديمقراطية بانتخابات رئاسية في شهر نوفمبر. لكن حتى وإن نجحت تلك الانتخابات –وهو ما نتمناه ونعتقده- يجب ألا يؤخذ ذلك على أنه علامة على اكتمال حلم تونس بإرساء الديمقراطية، ذلك أنه بالرغم من أن التفويض الانتخابي الجديد يبعث على التفاؤل علينا أن نلقي نظرة إلى بعض الديمقراطيات الصغيرة في العالم لنرى كم تكون الديمقراطية هشة في البداية والسرعة التي يمكن بها عكس الانتصارات الظاهرية.

ستكون تطلعات المواطنين التونسيين عالية جدا بعد الانتخابات، وسيكون أمام الحكومة الجديدة وقتا محدودا لتبرهن على أنها قادرة على الاستجابة لمطالب الجماهير. لقد بيّنت استطلاعات الرأي التي قام بها المعهد الجمهوري الدولي باستمرار أن التونسيين ينتظرون أن تجلب الديمقراطية معها فرصا اقتصادية أحسن، وتحسنا في جودة الحياة إلى جانب الحرية والاستقرار الغائبين من البلدان الأخرى المجاورة لتونس.

كما تعلمنا التجارب بأنه لكي تنجح البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى مساندة الديمقراطيات العريقة مثل الولايات المتحدة. وهنا يمكن للولايات المتحدة أن تتخذ خطوات متواضعة مباشرة مثل دعوة تونس الديمقراطية للانضمام إلى مبادرة الشراكة الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، وتقديم مساعدات أخرى للبلد لبناء قدرة المؤسسات الحكومية على كل الأصعدة.

مسألة أخرى لا تقل أهمية، ومثلما يعترف كل الزعماء السياسيين التونسيين تقريبا علنا، تحتوي البلاد على حواجز بيروقراطية وقانونية لا تحصى أمام نمو الاستثمار الخاص والمشاريع الصغرى. وفي هذا الصدد يجب على الولايات المتحدة أن تتعهد بمساعدة تونس لإعداد خارطة طريق لأخلاقية المبادرة الحرة، أي خطة لكسر هذه الحواجز والاستفادة من المواهب وروح الابتكار لدى الشعب التونسي.

مازال أمام تونس طريق طويل حتى تحقق بالكامل تطلعات ثورتها، وهو أمر يعرفه الزعماء التونسيون الأذكياء. عندما التقى وفد المعهد الجمهوري الدولي برئيس الوزراء الانتقالي التونسي قبل بضعة أيام من الانتخابات قال بحزم إن تونس “ليست نموذجا”، لكن كما يقر هو ونقر نحن الذين اجتمعنا به وجود ديمقراطية نابضة بالحياة في هذا الجزء من العالم سيكون شيئا فريدا. بيد أن رئيس الوزراء نفسه ابتسم لنا وقال “لكن ربما نكون مصدر إلهام … خاصة للشباب”. ومن مصلحتنا –وليس فقط من مصلحة أميركا بل مجموعة الدول الديمقراطية- بأن نساعد في أن يتألق ذلك الالهام تألقا ساطعا.


رئيس المعهد الجمهوري الدولي وسفير أميركي سابق

6