تونس تراجع موقفها الرافض للتدخل العسكري في ليبيا

أكد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تأييده لتنفيذ ضربات محددة لمواقع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا شرط أن يتم التعاون في هذا الشأن مع الأمم المتحدة.
الأربعاء 2016/04/27
لا بد من دعم الجيش الليبي

تونس - راجعت تونس موقفها الرافض للتدخل العسكري الأجنبي في ليبيا، وذلك في تطور لافت أثار توقيته جملة من التساؤلات لدى المراقبين، لا سيما وأنه تزامن مع عودة بعض الدول الأوروبية إلى التلويح بإمكانية القيام بعمل عسكري في ليبيا تحت عناوين مُختلفة منها دعم حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في تصديها للإرهاب، والهجرة غير الشرعية.

وقال الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إنه لا يُعارض “التدخل العسكري الخارجي” ضد تنظيم داعش في ليبيا، وذلك خلافا لمواقفه السابقة التي أكد فيها رفض بلاده القاطع للتدخل العسكري الأجنبي في ليبيا.

وأوضح قائد السبسي في حوار نشرته صحيفة “لاستامبا” الإيطالية ونقلته وكالة الأنباء التونسية الرسمية، الثلاثاء، أنه مع “التدخل العسكري الخارجي” ضد تنظيم داعش في ليبيا، على أن “يتم التعاون في هذا الشأن مع الأمم المتحدة”.

وأعرب في المقابل عن تطلعه إلى عودة الاستقرار في ليبيا، مشيرا إلى أن “الإرهابيين الذي يهاجمون تونس يأتون من هذا البلد”.

تلويح أممي بالتصدي لمهربي البشر في ليبيا
طرابلس - عاد ملف الهجرة غير الشرعية ليطفو من جديد على سطح الأزمة الليبية. وتزايدت تصريحات المسؤولين الغربيين مؤخرا بخصوص التصدي لقوارب الموت القادمة من السواحل الليبية.

وكشفت وزيرة الدفاع الإيطالية روبيرتا بينوتي عن عزم حلف شمال الأطلسي نشر قوات تابعة له قبالة سواحل ليبيا، بعد يوم 7 يوليو المقبل وهو الموعد المخصص لقمة الحلف الأطلسي في وارسو.

وفي هذا الصدد قدمت الولايات المتحدة دعمها لقيام حلف شمال الأطلسي بتسيير دوريات بحرية قبالة السواحل الليبية في إطار خطة مثيرة للجدل تدعمها الولايات المتحدة لإغلاق طريق الهجرة من غرب المتوسط إلى أوروبا.

وصرح في هذا الصدد، رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رنزي للصحافيين، عقب اجتماع ضم الرئيس الأميركي باراك أوباما وزعماء كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا في هانوفر في مدينة ألمانيا، أن “أوباما أبدى استعداده لتخصيص موارد الحلف لوقف عمليات تهريب البشر والمهربين”.

واعتبر مراقبون هذه الخطوة سعيا أوروبيا نحو توسيع عملية “صوفيا” التي بدأت صيف 2015 لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا عبر السواحل الليبية. وتقتصر مهمة صوفيا حاليا على المياه الدولية لعدم حصولها على إذن رسمي بالدخول إلى المياه الليبية وعدم تلقيها ضوءا أخضر من الأمم المتحدة في هذا الإطار، وهو ما يفسح المجال أمام المهربين لتسيير مراكب محملة بالمهاجرين عبر هذه المياه.

وكان نائب رئيس حكومة الوفاق، أحمد امعيتيق، قد عرض الأسبوع الماضي خلال زيارة خاطفة إلى إيطاليا خطة شبيهة باتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا، بحيث يتم التعرض للمهاجرين وتوطينهم في مخيمات داخل ليبيا. وحظي عرض امعيتيق بموجة انتقاد حادة حيث تساءل متابعون عن مصير هؤلاء المهاجرين في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها ليبيا.

ووصف مراقبون هذا الموقف الجديد لتونس بـ”التطور السياسي اللافت”، باعتبار أن تونس سبق لها أن أعلنت مرارا عن رفضها التدخل العسكري في ليبيا نظرا لتداعياته الوخيمة على أمن البلاد.

وكان وزير الخارجية التونسي، خميس الجهيناوي، قد أكد رفض بلاده التدخل العسكري في ليبيا، حيث قال على هامش اجتماع كبار الموظفين حول الدعم الدولي لليبيا الذي عُقد بتونس في الثاني عشر من أبريل الجاري، إن تونس التي تدفع إلى الحل السلمي في ليبيا، “تُعارض بشدة أي تدخل عسكري في ليبيا خارج إطار القانون الدولي”.

وقبل ذلك، شدد محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) التونسي على أن تونس “ترفض التدخل العسكري في ليبيا وتتمسك بالحلول السلمية”، وأشار إلى أنه أبلغ البرلمان الأوروبي بأن “أي تدخل أجنبي أو ضربات عسكرية في ليبيا سيكون له تأثير كبير وواضح على أمننا القومي”، وذلك خلال زيارته إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، في منتصف شهر فبراير الماضي.

وفي تفسير لهذه الاستدارة في الموقف التونسي، قال الخبير الأمني والاستراتيجي التونسي العميد المتقاعد، علي الزرمديني، لـ”العرب”، “إن هذا التحول في موقف تونس تجاه التدخل العسكري في ليبيا، بُني على أساس المصالح، وليس القناعات”.

واعتبر أن تونس التي ساندت وتُساند حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج، “تُدرك أن هذه الحكومة لا يُمكن لها بسط نفوذها على كامل ليبيا، ولا تستطيع تنفيذ الأجندات المطلوبة منها للقضاء على الإرهاب، والحد من الهجرة غير الشرعية، وسحب السلاح المنتشر بكثافة لدى الميليشيات المُتطرفة، إلا بمساعدة عسكرية دولية مباشرة”.

وأعرب العميد المتقاعد علي الزرمديني عن اعتقاده بأن “الترتيبات لتلك المساعدة العسكرية قد وُضعت بالاتفاق مع حكومة السراج، وبالتالي فإن التدخل العسكري أصبح لا رجعة فيه”، “الأمر الذي دفع الرئيس التونسي إلى مراجعة موقف بلاده بهذا الشأن، والاصطفاف إلى جانب الموقف الذي يدعو إلى التدخل في ليبيا حتى لا تبقى تونس تُغرد خارج السرب”.

ورغم تراجع الحديث عن التدخل العسكري في ليبيا، رأى الزرمديني في تصريحه لـ”العرب” أن ثمة مؤشرات تدل على أن هذا التراجع ليس سوى “خدعة” لتوجيه ضربات مفاجئة للميليشيات المُتشددة.

ولفت في هذا السياق إلى تصريحات المسؤولين الأوروبيين، وخاصة منها تلك الصادرة عن وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان، وكذلك أيضا رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينزي.

وأكد جان إيف لو دريان، الثلاثاء، أن بلاده “مُستعدة لضمان الأمن البحري لحكومة الوفاق الليبية”، مضيفا في تصريحات بثتها إذاعة “أوروبا 1” أنه “يجب أن ننتظر حتى يقول لنا رئيس الحكومة الليبية فايز السراج الإجراءات الأمنية التي يعتزم اتخاذها والطلبات التي ينوي تقديمها للأسرة الدولية من أجل ضمان أمن ليبيا البحري”.

وقبل ذلك، أكد رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينزي،أن بلاده على استعداد للقيام بـ”دور قوي داخل ليبيا لدعم حكومة الوفاق”، لافتا إلى أن “التدخل في ليبيا سيتم فقط في حال طلبت حكومة الوفاق الوطني مساعدة إيطاليا والمجتمع الدولي، وأن بلاده لن تُرسل قوات إلى ليبيا من دون طلب رسمي ليبي”.

وعلى الرغم من أن هذا التدخل لم تتبلور أدواته بعد، فإن احتمال حدوثه مستقبلا يبقى أمرا غير مستبعد، لإنهاء حالة الفوضى التي استفحلت في ليبيا، وللتصدي للهجرة غير الشرعية التي تُؤرق دول جنوب أوروبا.

4