تونس تستعيد المأثرة الجمالية لمدينة نجيب بلخوجة العتيقة

بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله، يفتتح الجمعة في دار الفنون "البلفدير" بالعاصمة تونس المعرض التكريمي للفنان التونسي نجيب بلخوجة، وهي الدار ذاتها التي أقامت للفنان معرضا شاملا في عام 2003، والذي عدّ وقتها حدثا فنيا وثقافيا.
الجمعة 2017/05/05
المدينة العتيقة خارج الإطار الفلكلوري

تونس - لا يستدعي المعرض التكريمي للفنان التونسي الراحل نجيب بلخوجة الذي يفتتح الجمعة في دار الفنون “البلفدير” بالعاصمة تونس بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله (1933-2007)، الإشادة بتجربة فنية متميزة وعلى قدر لافت من الخصوصية، تضمنها مسار إبداعي ناهز نصف القرن، في المحترف الفني التونسي والعربي على حد سواء، بل يكتسب أهميته أيضا بالثناء على تاريخ مختلف ابتدأ منذ ستينات القرن الماضي مع تجارب فنية لفنانين تونسيين، والذي يتعلق بخصوصية الخطاب الجمالي وتطوره عن تلك المرحلة الفنية السابقة التي تقدمتها تجارب فناني “مدرسة تونس- 1949”، ونزعتها التي لم تخل من حس استشراقي وتأثر معلن بالنتاج الفني الغربي.

كان للجيل الستيني من فناني تونس الذين يعد الفنان بلخوجة من أبرزهم، الفضل في تخليص اللوحة التونسية من مكتسبات الفن الاستشراقي الغربي، لجهة الانغمار في تجارب فنية ذات أفق طليعي، تعزز بدوافع التجريب والتحديث في العمل الفني، ووفق خطاب الهوية الجمالية الذي تبنى ثقافة تجتهد في إحياء الذاكرة التراثية والمجتمعية على نحو يقظ في العلاقة مع مقولات الحداثة والمعاصرة.

صورة المدينة العتيقة، الموضوعة الأثيرة في الرسم التونسي، هي الهاجس المشترك في تميز هذين الاتجاهين، اتجاه يمضي في التقليد الاتباعي ذي المنحى الفلكلوري، في مقابل اتجاه آخر يؤازر رؤية حرة، تبحث عن خبرتها التصويرية من خلال المعنى. وقد كان الفنان بلخوجة أحد رواد الاتجاه الأخير.

وتتجلى موضوعة المكان المحلي في فن بلخوجة من خلال صورة هذه المدينة التي تعد مشهدا تصويريا يعاد تمثله في أعماله، وعلى نحو يفترض سمات تشكيلية تنطوي على خصوصية بينة تتأتى عبر الاستفادة من طرازها المعماري الفريد، واعتماده معطى تصويريا في تجربته.

المدينة عند بلخوجة وحدات تتصل ببعضها البعض مؤلفة عبر تكوين لوني أحادي وحدة شكلية تمتد أفقيا وتتراكم عموديا

ومع ذلك، ليس ثمة أثر لمشهد توثيقي وواقعي عن المدينة في لوحات بلخوجة، أو حتى وجود أشكال لأشخاص من قاطني المدينة، إن حضورها التصويري متحقق بصفة مجاز يتخيل وجودها المتكرر والمتنوع، والموزع وفق إيقاع شديد الانتظام على مساحة السطح التصويري للوحاته.

لا أثر لتفاصيل حياتية تذكر عن مشاهد المدينة العتيقة، ليس ثمة وحدات زخرفية مقتطعة من طرازها المعماري التقليدي، سوى وجود فضاء تصويري يستنبط تأليفه من مفردات معمارية مختزلة، تعتمد القوس والقبة وشكل المئذنة والأبواب وسطوحا هندسية بمثابة جدار، واجهة لمبنى، تحضر بوصفها وحدات تتصل ببعضها البعض كي تؤلف عبر تكوين لوني أحادي وحدة شكلية تمتد أفقيا، وتتراكم عموديا عبر نسق إيقاعي شديد التنوع ومحكم البناء.

تتخلى لوحات بلخوجة عن أي علاقة تصف عمقا موهما في رؤيتها، كونها تعتمد مبدأ المجاورة وببعد ثنائي في صفته الشكلية واللونية. ويكاد تأليفه التصويري هذا، يستحضر جوهر المدينة، عبر تنظيم حاذق لهوية المكان واستدعائه في صيغته العاطفية، وبعد تشذيب مشهده من أي تفاصيل تعيق تمثله واستحضاره كمأثرة جمالية فريدة.

قد يفترض المسار التأليفي في لوحات بلخوجة عنصر التكرار في تمثل موضوعة المدينة، خاصة باعتماده المفردات ذاتها ومحاولة تنويعها على نحو متقارب. لكنه تكرار يعزز مبدأ النموذج الذي ينتهجه الفنان باعتباره وحدة تصويرية أصيلة في أعماله، ويقوم على مبدأ الانتشار والتراكم، وضمن مسار لوني، يمنح اللوحات قدرا لافتا من الاختلاف، حين يعتمد على صبغات لونية ناصعة تختلف باختلاف الوحدات التصويرية.

ونموذجه ذاك نراه يستقل بحضوره الطاغي عبر انتقاله ما بين لون حار حينا وصريح حينا آخر، والذي سيحقق عبر تضاده أو تناغمه اللوني مع المساحات اللونية الأخرى إيقاعية حسية، باذخة وحاشدة بتنوعها الصوري شديد الثراء.

ثمة مقاربة يمكن من خلالها تلمس المرجعية الجمالية في أعمال بلخوجة، والتي تتضح بانشغال أسّس له الفنان بكون أعماله تقيم صلتها الوثيقة مع القيم الجمالية التي اعتمدها الفن العربي في العصر الوسيط، خاصة، من خلال استخدام مبدأ النموذج الأصيل، الواحد، الذي يتم توليده وإعادة تمثله وتكراره بصفة لانهائية. ومثاله المادة الزخرفية الهندسية التي تحتشد بها العمارة العربية الإسلامية، إضافة إلى استخدام بلخوجة نظاما تأليفيا، هندسيا وقياسيا، شديد الانتظام، ما يفترض مقاربة تصويرية وإنشائية مع منجز الخط الكوفي الهندسي، فيما سيتخذ الخيار اللوني أثره من استدعاء التنويع اللوني في المنجز الفلكلوري للبساط والسجاد التونسيَّيْن.

وعبر هذا التعالق المرجعي والانفتاح على المنجز الفني الحداثي عربيا وإقليميا، استطاع الفنان بلخوجة أن يقدم نموذجا جماليا وفنيا، عزز حضوره من خلال معرفة منتظمة كانت محرضة لخبرته التجريبية التي تتماثل مقوماتها مع مقومات التجربة الفنية العارفة، والقائمة على صفاء النظر وحيوية الابتكار.

17