تونس تستكمل مسارها الانتقالي بانتخاب المجلس الأعلى للقضاء

نظمت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أول عملية اقتراع في انتخابات المجلس الأعلى للقضاء، الذي كان البرلمان التونسي قد صادق على مشروع قانونه التأسيسي في مارس الماضي بعد جدل استمر لأشهر، وذلك وسط تأكيدات على ضرورة الحفاظ على استقلال القضاء، وعلى مكانة هذا المجلس الذي يعد إحدى المؤسسات الدستورية التي يجري استكمالها منذ بدء فترة الانتقال الديمقراطي في العام 2011.
الاثنين 2016/10/24
قضاة تونس يتمسكون باستقلال القضاء

تونس - انطلقت الأحد انتخابات المجلس الأعلى للقضاء التونسي، وهي الهيئة التي نص عليها الدستور الجديد، والتي تأخر انتخاب أعضائها بسبب العديد من الخلافات والتجاذبات السياسية الحادة التي حالت دون استكمال المسار الانتقالي في آجاله الدستورية.

وتُشرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على تنظيم عمليات الاقتراع لهذا الاستحقاق الذي يُشارك فيه القضاة، إلى جانب ممثلين لمهن أخرى مرتبطة بالقضاء وشريكة معه في إقامة العدالة، مثل المحامين وعدول التنفيذ، والخبراء المحاسبين.

ويُشارك أكثر من 13 ألف شخص ينتمون إلى مختلف مكونات المنظومة القضائية التونسية، في هذه الانتخابات التي تعد الأولى في تاريخ تونس، باعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء كان يُعين بالكامل زمن الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وذلك وفقا لمقتضيات دستور عام 1959 الذي توقف العمل به.

وأوضح نبيل بفون عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن عدد المرشحين لعضوية هذا المجلس يبلغ 179 مرشحا من القضاة والمحامين وغيرهم، فيما يبلغ عدد الناخبين 13376 ناخبا موزعين على 106 مكاتب اقتراع، موزعة على كامل أنحاء البلاد.

وسيتنافس المرشحون على عضوية هذا المجلس الذي سيتألف من 45 عضوا، 30 منهم قضاة (بنسبة الثلثين)، و15 من الشخصيات المستقلة من ذوي الاختصاص (الثلث الأخير) منتخبين من نظرائهم ويختلف اختصاصهم حسب الهيكل ، منهم 8 محامين و4 مدرسين باحثين مختصين في القانون من غير المحامين إلى جانب خبيرين محاسبين وعدل تنفيذ.

وبحسب نبيل بفون، فإنه لضمان شفافية العملية الانتخابية، لجأت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى اعتماد 1547 مراقبا من 22 مؤسسة إعلامية (15 منها محلية و7 أجنبية) ممثلة بـ166 صحافيا.

وشدد على أن نجاح انتخابات المجلس الأعلى للقضاء هو استكمال لحلقة أخرى من حلقات الانتقال الديمقراطي في تونس والدستور التونسي الذي أقر هيئات دستورية اهتمت بمختلف السلطات منها التعديلية ومنها الرقابية، والقضاء بما يمثله من سلطة ثالثة سيكون ممثلا في مجلس منتخب يضطلع بدور فعال في تكريس استقلالية القضاء وإبداء الرأي في مشاريع القوانين المتعلقة بالمسار القضائي وتعيين الملحقين القضائيين وبرنامج التكوين الخاص بالملحقين والقضاة عموما.

روضة القرافي: لا بد من العمل على ضمان استقلالية القضاء بعد انتخاب المجلس الأعلى للقضاء

واعتبر أن المجلس الأعلى للقضاء يُعد حلقة ضرورية في مسار استكمال تأسيس المحكمة الدستورية التي ستكون العين الساهرة على احترام الدستور ناهيك أن 4 أعضاء من المجلس الأعلى للقضاء سيتم إلحاقهم (تعيينهم) بتركيبة المحكمة الدستورية عند استكمال تركيبتها.

ورغم أهمية هذه الانتخابات أقر بفون بأن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات “لم تقم بحملة توعية للتأكيد على أهمية المجلس الأعلى للقضاء”، وذلك في رده على الانتقادات التي وُجهت إلى هيئته من قِبل عدد من المحامين.

وكان المحامي عبدالكريم راجح المرشح لعضوية هذا المجلس، قد انتقد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لأنها “تجاهلت أو تغافلت عن دورها في نشر الوعي والثقافة الانتخابية”، على حد قوله في تصريحات للصحافيين.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الانتخابات التي يُنتظر أن يتم الإعلان عن نتائجها في ساعة متأخرة من ليل الأحد-الإثنين، تجعل تونس تسير بشكل فعال باتجاه الفصل الحقيقي بين السلطات بانتخاب هذا المجلس الذي ستُعهد له مهمة الحفاظ على استقلالية القضاء في إطار دستور البلاد والاتفاقيات الدولية.

كما سيكون لهذا المجلس المنتخب حق المشاركة في تشكيل المحكمة الدستورية التي تعنى بضمان علوية الدستور وبالحفاظ على النظام الجمهوري الديمقراطي والحقوق والحريات الأساسية.

وينص القانون الأساسي المنظم لعمل المجلس الأعلى للقضاء على أن المجلس يتمتع باستقلالية مالية وإدارية ويتم تسييره ذاتيا، كما أن القانون يمنحه السلطة الترتيبية في مجال اختصاصه.

ويتألف المجلس الأعلى للقضاء من أربعة هياكل أساسية هي مجلس القضاء العدلي، ومجلس القضاء الإداري، ومجلس القضاء المالي، بالإضافة إلى الجلسة العامة التي تجمع الهياكل المذكورة.

وكانت تجاذبات سياسية حادة بين القضاة ونواب البرلمان رافقت هذه الانتخابات، وقد بدأت منذ الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى للقضاء، ما حال في حينه دون تنظيم هذه الانتخابات في الآجال المحددة التي رسمها الدستور.

وتسببت تلك التجاذبات في تأجيل هذه الانتخابات أكثر من عام، حيث تبادل فيها القضاة ونواب البرلمان الاتهامات بشأن تركيبة هذا المجلس، وسط خلافات حادة حول تكريس مبدأ استقلالية القضاء.

واتهم عدد من نواب البرلمان القضاة بمحاولة وضع قانون على قياسهم بما يسمح لهم بـ“التغول” على مؤسسات الدولة والعمل بعيدا عن الرقابة، بينما كان القضاة يُحذرون من أن الصيغة التي توصلت إليها لجنة التشريع في البرلمان بشأن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء، “تُهدد المسار الديمقراطي ومستقبل القضاء لأنها تسمح للسلطة التنفيذية بالانقضاض على السلطة القضائية”.

وقد استغرقت تلك الخلافات وقتا طويلا تخللته إضرابات للقضاة بهدف الضغط على الجهات التشريعية للمصادقة على التعديلات المقترحة، إلى أن تدخل الرئيس الباجي قائد السبسي في الثامن من أبريل الماضي ليحسم تلك الخلافات وما رافقها من جدل بين القضاة والبرلمان، الأمر الذي سهل تنظيم هذه الانتخابات.

ومع ذلك، لا يُخفي القضاة خشيتهم من أن انتخاب المجلس الأعلى للقضاء “لن يكون الضامن الوحيد لاستقلالية القضاء”، حيث اعتبرت روضة القرافي رئيسة جمعية القضاة التونسيين أن جهود الدولة لضمان استقلالية القضاء “لا ينبغي أن تتوقف عند انتخاب مجلس أعلى للقضاء، بل يجب أن يتم اتخاذ مجموعة من الإجراءات بينها تفعيل محاور القانون الأساسي للقضاة”.

4