تونس تسرع خطط الخصخصة لدعم الإصلاح الاقتصادي

يثير التعديل الوزاري في تونس هذه الأيام لغطا كبيرا في الأوساط الاقتصادية لا سيما من قبل نقابات العمال، رغم تأكيد الخبراء على أن موقف رئيس الحكومة يوسف الشاهد كان حازما مع اتحاد الشغل ويعكس بوضوح الجدية في مسار الإصلاح لإنقاذ اقتصاد البلاد المشلول.
الجمعة 2017/03/03
خطوات متسارعة نحو الإصلاح

تباينت أراء المحللين في تونس بشأن الخطوة التي اتخذها رئيس الحكومة يوسف الشاهد المتمثلة بإقصاء الاتحاد العام التونسي للشغل من إحدى حقائبه الوزارية، فيما يشير آخرون إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن يحتاج إلى قرارات مؤلمة من أجل العودة للمسار الصحيح.

وكان الشاهد قد أعلن السبت الماضي، عن تعديل وزاري جزئي يقضي بإعفاء عبيد البريكي من مهامه كوزير للوظيفة العمومية والحكومة، وتعيين رجل الأعمال خليل الغرياني في مكانه، لكنه اعتذر عن تولي المنصب أمس في خطوة غير متوقعة.

ورأى مراقبون أن هذا التغيير له علاقة بقرض صندوق النقد الدولي والإجراءات المفروضة على الحكومة التونسية حيث كان الوزير السابق عبيد البريكي يرفض أي إصلاحات تزيد من معاناة التونسيين والموظفين.

وعمقت الخلافات عقب تصريحات وزيرة المالية لمياء الزريبي بشأن عزم الحكومة على بيع حصصها في البنوك العمومية ضمن خططها لإصلاح القطاع البنكي، التوتر مع الاتحاد.

معز الجودي: اتجاه الحكومة نحو خصخصة بعض شركات القطاع العام ليس بالكارثة كما يشاع

لكن رضا السعيدي المستشار لدى رئيس الحكومة نفي في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية الأربعاء، خصخصة البنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك، وأن الأمر يتعلق ببنك الإسكان فقط.

واعتبر اتحاد الشغل في بيان أن هذه الخطوة استفزازية، وتعمل على تنفيذ أجندة صندوق النقد الدولي بخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وفي مقدمتها البنوك والخطوط الجوية التونسية والخدمات الحيوية في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.

وأكد الخبير المالي التونسي رضا بن محمد في تصريح لـ“العرب” أن مسألة الخصخصة مطروحة بجدية، في ظل ضغوط صندوق النقد بعد أن تأخرت تونس في القيام بالإصلاحات، وهو ما تسبب في تجميد القسط الثاني من القرض المقرر منحه لتونس.

وقال بن محمد وهو مصرفي يعمل في الشركة التونسية للبنك المملوك للدولة إن “إسراع الحكومة في إقالة البريكي كان بسبب كونه عقبة أمام تنفيذ خططها باعتباره شخصية نقابية، بينما يشكل الغرياني ورقة للشاهد نظرا لمساندته للخصخصة ودفاعه عن القطاع الخاص”.

وأشار الخبير الذي رجح عملية الخصخصة إلى وجود لوبيات داخل البنوك تعيق تحقيق الإصلاحات كالتساهل والتهرب من استخلاص القروض، ما دفع بتلك البنوك إلى دخول دائرة العجز رغم خطوات الحكومة لإنقاذها من شبح الإفلاس.

وتتمثل أهم توصيات صندوق النقد في إصلاح القطاع المصرفي وتسريح الموظفين والزيادة في الضرائب والحد من ارتفاع كتلة الأجور، التي بلغت نحو 14.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وإعادة هيكلة الشركات الحكومية وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار.

ويرى معز الجودي رئيس الجمعية التونسية للحوكمة أن الاتجاه نحو الخصخصة ليس بالكارثة كما يتم الترويج له، فهي خطوة ستقدم دعما ايجابيا لاقتصاد البلاد وستسهم في تطوير مؤشرات النمو.

رضا بن محمد:

إسراع الحكومة في إقالة البريكي كان بسبب كونه عقبة أمام تنفيذ خططها

وقال الخبير الاقتصادي لـ“العرب” إن “الدولة تهيمن على كافة القطاعات حيث تبلغ عدد الشركات الملوكة لها 216 شركة، وهذا الأمر سبب لها مشكلة كبيرة أدت إلى عجزها عن توفير الأموال لإدارتها”.

وأكد أن الخصخصة ستحدّ من ظاهرة الفساد، المستشري في مفاصل الدولة وقطاعاته العامة حيث التهرب من الضرائب والانتـدابات العشوائية وغيـرها من المشكـلات.

وضرب الجودي مثالا على نجاعة القطاع الخاص عندما يستحوذ على شركات حكومية مثل البنك التجاري، أحد فروع وفا بنك المغربي، الذي يدفع ضرائب للدولة أكثر من أي بنك آخر.

وتشكل أصول البنوك المملوكة للدولة نحو 41 بالمئة من مجموع الأصول البنكية ولها أهمية كبرى في الاستثمار في القطاع العام لا يمكن التفويت فيها بسهولة للرأسمال الخاص، لأن أول خطوة سيقوم بها هو طرد العمالة بصفة مكثفة، بحسب محمد الصادق جبنون الخبير والاستشاري في مجال الاستثمار.

ويرى جبنون أن خصخصة البنوك هو حل اضطراري، لكنه ليس موفقا لأنه تم ضخ مليار دينار (445 مليون دولار) في البنوك الرئيسية الثـلاثة من أمـوال دافعي الضـرائب لإنعـاشها.

وقال إن “البنوك الثلاثة هي في مرحلة إعادة هيكلة وبدأت في التعافي التدريجي. أما بالنسبة إلى بقية مساهمات الدولة في البنوك الأخرى، فلا بد من النظر فيها بتمعن ولا يمكن أن تقع الخصخصة بصفة عشوائية”. وتطرح مسألة الخصخصة في البلاد قضية شائكة لا تقل أهمية عن تنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي وتتمثل بالأساس في تداخل صلاحيات الوزارات، حيث يرى البعض من المحللين أنها ليست من مشمولات وزارة الوظيفة العمومية والحكومة ومقاومة الفساد أصلا.

وأكد سليم بسباس، النائب وعضو لجنة المالية والتخطيط والتنمية في البرلمان أن خصخصة المؤسسات المالية من مهام وزارة المالية، والمؤسسات الصناعية من مهام وزارة الصناعة، وبالتالي لا يمكن أن تلعب وزارة الوظيفة العمومية هذا الدور.

ويبدو أن هناك مساعي من البرلمان للتصدي لأي محاولة لبيع أسهم في البنوك الحكومية الثلاثة، وهو ما يؤجل مؤقتا تنفيذ خطط الشاهد لإصلاح الاقتصاد.

10