تونس تسعى إلى إعادة هيكلة ديونها بعد تعثر سدادها

إرجاء سداد الديون مؤشر خطير قد يضرب التصنيف السيادي والسمعة المالية للبلاد.
الثلاثاء 2020/07/14
سيادة تونس المالية قيد المقايضات

أثار إعلان الحكومة التونسية دخولها في مفاوضات لإرجاء سداد ديونها لأول مرة منذ الاستقلال مخاوف الأوساط الاقتصادية من أن يكون هذا القرار الشجرة التي تخفي غابة من الكوارث الاقتصادية والسيناريوهات المعقدة أسوءها الإفلاس، خصوصا في ظل تعفن الوضع السياسي وعدم الاستقرار الذي بات حجرة عثرة تعطل كل محاولات الإصلاح.

تونس - حاولت تونس تخفيف الأعباء المالية من القروض وفوائدها، التي تثقل كاهل الميزانية العامة بطلب إرجاء سدادها في الوقت الحالي، الأمر الذي اعتبره خبراء مؤشرا خطيرا على اتساع رقعة الأزمة الاقتصادية.

وأكد خبراء في تصريحات لـ”العرب” أن هذا القرار المفاجئ يعتبر سابقة في تاريخ تونس وهو يتجاوز مرحلة الحلول الترقيعية ليصل إلى احتمالات أكثر خطورة ما لم يتم تفكيك عقبات الفساد والبيروقراطية المتراكمة والمكبلة للنمو.

وتجمع الأوساط الاقتصادية على أن الوضع كان متأزما قبل الوباء، إذ لم تشهد القطاعات الإنتاجية عودة حقيقية وظل مردودها متدنيا، ما كبل الدولة على تحقيق الإيرادات اللازمة وبالتالي بلوغ نقطة التوازن، وهي الأسباب التي أوصلت تونس إلى نفق مظلم.

أكرم بالحاج رحومة: مجرد آلية لتأجيل تداعياتها ولا تمثل حلا حقيقيا لها
أكرم بالحاج رحومة: مجرد آلية لتأجيل تداعياتها ولا تمثل حلا حقيقيا لها

وقال وزير الاستثمار التونسي سليم العزابي خلال ندوة صحافية الاثنين إن “تونس تتفاوض مع كل من السعودية وقطر وفرنسا وإيطاليا لإرجاء مدفوعات القروض المتوقعة هذا العام”. وتأمل تونس أيضا في ترتيب صفقة جديدة في غضون أربعة أشهر مع صندوق النقد الدولي.

ويؤكد الطلب المتعلق بتأجيل سداد الديون الحالة السيئة للمالية العامة لتونس، التي كانت بالفعل مصدر قلق قبل أن تضرب أزمة فايروس كورونا الاقتصاد العالمي.

ويأتي الإعلان في وقت تمر فيه البلاد بأزمات لا حصر لها جراء تركة كورونا، التي تسببت في تقلص عوائد السياحة وتعطل إنتاج الفوسفات وكافة القطاعات المنتجة، فضلا عن اضطرابات سياسية.

وقال الخبير المالي فهد تريمش لـ”لعرب” إن “نسبة الدين العام المقدرة بنحو 75 في المئة خلال 2019 واصلت الارتفاع هذا العام جراء الأزمة الصحية ما أدى إلى انكماش اقتصادي أثر بشكل مباشر على المداخيل الجبائية للدولة وبالتالي ضرب قدرتها على الالتزام بتعهداتها المالية في سداد الديون“.

وتتوقع تونس أن ينكمش اقتصادها 6.5 في المئة هذا العام وأن يبلغ عجز الميزانية 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بسبب أزمة كورونا.

وحول دلالة طلب التأجيل قال تريمش إن “التفاوض حول تأجيل سداد الديون هو اعتراف ضمني بإفلاس الدولة أو على الأقل ضرب لسمعتها المالية”.

وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى تراجع تصنيف تونس السيادي وارتفاع تكلفة الدين الخارجي عند العودة لاحقا إلى الأسواق المالية الدولية من أجل الاقتراض، رغم أنه يبقى إلى حد الآن ذا تكلفة منخفضة مقارنة بكلفة الدين الداخلي.

وكانت وكالة موديز للتصنيف الائتماني قد ذكرت في تقرير الأسبوع الماضي أنها وضعت تصنيف تونس السيادي في مستوى بي 2 مع وضعه قيد المراجعة للتخفيض في حال لم تسيطر السلطات على مستوى الدين العام.

وأثارخفض موديز للدين السيادي لتونس لهذا العام من مستقرة إلى سلبية، موجة انتقاد من الأوساط الاقتصادية، التي دعت السلطات إلى وقف نزيف هذه المشكلة قبل أن تخرج عن السيطرة.

ويعكس هذا التصنيف أن وتيرة التداين تتسارع بشكل كبير وتقترب من 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2023. وتتخوف الأوساط الاقتصادية والاجتماعية من تكرر سيناريو لبنان في تونس حيث يشكل التأجيل أو التخلف عن سداد الدين مؤشرا على انهيار المقدرات المالية للبلاد.

وأوضح تريمش أن السيناريو اللبناني يمكن أن يشبه الوضع التونسي في عناوينه الكبرى ولكن “بلدنا بعيد عنه لأسباب كثيرة أهمها أن نسبة الدين اللبناني ضعف نسبة الدين التونسي، علاوة على ارتباط الليرة بالدولار الأميركي، ما يجعلها في عرضة لفقدان قيمتها مباشرة عند كل هزة اقتصادية”.

فهد تريمش: تأجيل سداد الديون هو اعتراف ضمني بإفلاس الدولة
فهد تريمش: تأجيل سداد الديون هو اعتراف ضمني بإفلاس الدولة

وشدد الخبير على ضرورة الشروع فورا في الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها قبل انقضاء مهلة إرجاء تسديد الديون بهدف دفع النمو، وذلك من خلال إصلاح المؤسسات العامة الاستراتيجية ورقمنة الإدارة.

وأشار إلى أنه “لا يمكن توفير الاستقرار المطلوب لدفع عجلة النمو إلا بضمان استقرار حكومي قائم على وجود ائتلاف سياسي منسجم، وهو ما يصعب الوصول إليه الآن في ظل تشتت المشهد السياسي الحالي. ولذلك فإن الجميع عليهم تحمل مسؤولياتهم لإنقاذ البلاد من المخاطر التي تحدق بها”.

وتشهد تونس هذه الأيام توترات سياسية عميقة أججتها دعوة حركة النهضة الإسلامية إلى بدء مشاورات لسحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ وهو ما فجر انتقادات واسعة نحوها.

وترى مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية أن ما يحصل هو ضريبة لسياسات النهضة التي عطلت مصالح البلاد وأغرقتها في مناكفاتها ومناوراتها مقابل إهمال المئات من القضايا الحارقة.

وقال الخبير في سياسة النهوض بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني أكرم بالحاج رحومة إن “تأجيل سداد القروض هو إحدى الأدوات المستعجلة لتخفيف وطأة الأزمة، ما يعني أنه مجرد آلية لتأجيل تداعياتها ولا يمثل حلا حقيقيا لها“.

وأكد رحومة لـ”العرب” أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يمكن أن يقدم جزءا من الحلول الهيكلية للأزمة الاقتصادية ما بعد كورونا. وخفف الخبير الاقتصادي منجي المقدم من خطورة تأجيل سداد الدين بقوله “هذه التطورات كانت متوقعة ونرجو الموافقة على ذلك من قبل الدائنين لتخفيف الضغط على الميزانية”.

وأوضح أن إرجاء سداد الديون لا يعني جدولة الديون وإنما هو آلية يتم الاتفاق بموجبها بين دولتين على تأجيل السداد، مشيرا إلى أن “تونس تمتلك احتياطيا من النقد معتبرا ما يمكنها من تخطي المحنة”.

وكان الفخفاخ قد قال خلال جلسة أمام البرلمان مؤخرا إن نسبة الدين العام تبلغ 60 في المئة إلى الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 92 مليار دينار (32.8 مليار دولار).

10