تونس تطوي صفحة الترويكا

الأحد 2014/11/23
استنفار أمني في تونس عشية الانتخابات الرئاسية

تونس- يطوي التونسيون اليوم المرحلة الانتقالية باختيار رئيس لهم في أول انتخابات تعددية بعد ثورة 2011، لتأتي استكمالا للانتخابات البرلمانية التي أجريت قبل شهر والتي فاز بها حزب نداء تونس العلماني بأكثر من 86 مقعدا متقدما على حركة النهضة الإسلامية التي حازت على 69 مقعدا وفق النتائج النهائية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

تفتح، اليوم الأحد، مراكز الاقتراع أبوابها في تونس، في أول انتخابات رئاسية تعددية منذ الإطاحة بحكم الرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011.

ويسمح هذا الاقتراع باستكمال عملية إقامة مؤسسات راسخة في تونس بعد نحو أربعة أعوام من الثورة وعامين من التأخير، في ظل مماطلة حكومتي الترويكا (حركة النهضة، المؤتمر من أجل الجمهورية، التكتل من أجل العمل والحريات).

ويتنافس في هذه الانتخابات 27 مرشحا بينهم الباجي قائد السبسي زعيم حزب نداء تونس المتحصل على أعلى نسبة تصويت في الانتخابات البرلمانية، فضلا عن الرئيس المنتهية ولايته محمد منصف المرزوقي واليساري البارز حمة الهمامي ورجل الأعمال الثري سليم الرياحي والقاضية كلثوم كنو، المرأة الوحيدة المترشحة إلى الانتخابات.

وقد تخلى خمسة من المترشحين عن السباق خلال الحملة لكن أسماءهم ما زالت مدرجة على بطاقات الاقتراع، وهم كل من محمد الحامدي (التحالف الديمقراطي)، ومحمد فريخة (رجل أعمال)، ومصطفى كمال النابلي (محافظ البنك المركزي السابق)، وعبدالرحيم الزواري (أحد وزراء نظام بن علي)، ونور الدين حشاد (نجل النقابي الشهير فرحات حشاد).

ولم يقدم حزب حركة النهضة الذي حكم من نهاية 2011 إلى بداية 2014، وحلّ ثانيا في الانتخابات التشريعية بحصوله على 69 مقعدا من أصل 217 في البرلمان، أي مرشح، لاعتقاده بأن الباب سيكون مفتوحا لاقتناص أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب.

وقد أعلن الحزب المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين قبيل انطلاقة الحملة الانتخابية الرئاسية عن عدم دعمه لأي من المرشحين على الساحة ولكن مصادر مقربة أكدت أن الأخير قد سرب لأنصاره أوامر تقضي بانتخاب الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي.

ويبرز دعم حركة النهضة اللامحدود للمرزوقي، من خلال تخصيص وسائل الإعلام الموالية لها مساحات هامة على منابرها للتسويق لصورته ومحاولة إضفاء صفة “الزعامة” التي يفتقدها، ولمهاجمة باقي المنافسين وفي مقدمتهم زعيم نداء تونس. كما يظهر هذا الدعم للرئيس المنتهية ولايته في الحضور اللافت لـ”روابط حماية الثورة” التي يتهمها العديد بأنها أحد أجنحة الحركة الإسلامية، التي لم يتوان الناشطون بها على التحريض على العنف حتى أنه وصل بأحد المنضوين فيها إلى التلويح بالسحل والقتل ضد منافسي المرزوقي على الرئاسة، وذلك في إحدى الاجتماعات الشعبية.

نداء تونس ورئيسه الباجي قائد السبسي يمثلان في وقت واحد صورة من صور الاستمرارية بما أنهما من المدرسة الدستورية وشكلا من أشكال القطيعة لتبنيهما مبادئ الثورة

وهو ما أثار جدلا كبيرا في الشارع التونسي، الذي لم ينس للرئيس المنتهية ولايته هفواته في الحكم، بدءا بفشله الذريع في ترسيخ سياسة خارجية منفتحة على الجميع وقائمة على الندية، وصولا إلى تواتر العمليات الإرهابية التي حدثت في عهده (وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة) وأدت إلى مقتل وجرح العديد من الجنود والأمنيين.

ويرى متابعون أن زعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي هو الأوفر حظا لانتزاع كرسي قرطاج، مستشهدين بعمليات سبر الآراء الأخيرة التي تصدّر نتائجها، هذا فضلا عن الاجتماعات الشعبية الضخمة والتي تؤشر إلى إمكانية حسم السبسي النتيجة من الدورة الأولى.

ويركز الباجي قائد السبسي في حملته الانتخابية على “إعادة هيبة الدولة”، التي كادت أن “تندثر” في عهد الترويكا، وفق المعارضين لنهجها.

ولقي خطاب زعيم نداء تونس وتركيزه مثلما ذكرنا آنفا على “استرجاع هيبة الدولة” صدى لدى التونسيين المنهكين من حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد منذ 2011.

ويقول أنصار قائد السبسي إنه الوحيد الذي تمكن من الوقوف بوجه الإسلاميين لكن خصومه يتهمونه بالسعي إلى إعادة إنتاج النظام السابق لا سيما وأن حزبه يضم منتمين سابقين لحزب “التجمع″ الحاكم في عهد بن علي.

وسيسهّل فوز قائد السبسي مهمة حزبه في تشكيل حكومة ائتلاف إذ أن فوز نداء تونس في الاقتراع لا يكفيه لتشكيل أغلبية، ولا يمنح الدستور سوى صلاحيات محدودة لرئيس الدولة لكن الاقتراع العام يمنحه وزنا سياسيا كبيرا.

للتذكير فإن صلاحيات الرئيس القادم لتونس تتلخص في المادتين 72 و77 من الدستور التونسي: حيث “يمثّل رمز وحدة الدولة ويضمن استقلالها واستمراريتها ويسهر على احترام الدستور… ويمثل الدولة ويختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة”.

كما يمنحه الدستور صلاحيات حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، وترؤس مجلس الأمن القومي والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب وإبرام السلم بعد موافقة مجلس نواب الشعب.

ويعتبر المحلل المستقل سليم خراط أن “حزب نداء تونس ورئيسه الباجي قائد السبسي يمثلان في وقت واحد صورة من صور الاستمرارية بما أنهما من المدرسة الدستورية (عهد بورقيبة) وشكلا من أشكال القطيعة بما أنهما تبنيا مبادئ الثورة”.

ويضيف “نحن في مرحلة حساسة جدا من البناء الديمقراطي ولدينا شكل من التعددية اليوم على الساحة السياسية التونسية لن يسمح لهذا الحزب باحتلال كل الساحة السياسية أو احتكارها”.

وتجرى اليوم انتخابات الرئاسة، وسط استنفار أمني كبير، حيث تخشى السلطات من حصول أي هجمات لجهاديين خلال الاقتراع، لذلك لن يفتح خمسون من مراكز الاقتراع سوى خمس ساعات بدلا من عشر اليوم الأحد في مناطق قريبة من الحدود الجزائرية حيث تنشط الجماعات المسلحة.

وسيتم نشر عشرات الآلاف من الشرطيين والعسكريين في جميع أنحاء البلاد لضمان أمن الاقتراع والناخبين.

2