تونس تعبر أزمة الثانوي بحوار هادئ بين الطبوبي والشاهد

الأحد 2017/03/05

فشل خطاب التصعيد الذي أطلقة نقابيون ذوو خلفيات سياسية وأيديولوجية في توريط الاتحاد العام التونسي للشغل في صدام مع الحكومة التونسية.

ومنذ لقائه برئيس الحكومة يوسف الشاهد وبعدها بالرئيس الباجي قائد السبسي، حثّ نورالدين الطبوبي، أمين عام الاتحاد، على التهدئة، وفضّل العمل من وراء الستار من أجل البحث عن خطوات جماعية تمتصّ التوتر بدل إطلاق التصريحات التي يمكن أن تربك الوضع العام.

وتقول مصادر مقربة من الاتحاد إن الأمين العام لأكبر منظمة تونسية لم يخرج من اجتماعه مع الشاهد إلا بعد أن تمّ وضع التهدئة هدفا للتحرك سواء من جانب الحكومة أم من جانب الاتحاد.

وكان إعلان خليل الغرياني الاعتذار عن حقيبة الوظيفة العمومية والحوكمة أولى خيوط الحل، ثم تلاه قرار الشاهد بإلحاق هياكل الوزارة برئاسة الحكومة. ومن ثمة أسكت غضب قيادات الاتحاد على إقالة عبيد البريكي من الوزارة، وقطع عليه طريق العودة خاصة أن الوزير المقال كان يتحدث في الأيام الأولى عن إمكانية عودته إلى الحكومة.

ولم يثر قرار إلحاق الوزارة برئاسة الحكومة أيّ ردود فعل غاضبة لأنها تاريخيا كانت تتبع رئاسة الحكومة.

وسحب القرار البساط من تحت أقدام الذين أرادوا جرّ اتحاد العمال واتحاد أرباب العمل إلى مواجهة حول الوزارة بزعم أن السيطرة عليها ستفضي بالجهة الماسكة بها إلى وضع يدها على أهم الملفّات، مع أنها وزارة تعنى بشأن موظفي القطاع العام وأن ما يقصد بكلمة حوكمة هو حسن توظيف أكثر من نصف مليون موظف، ومحاولة تقليص كلفة القطاع على الدولة وضرب الفساد المرتبط بالبيروقراطية، وليس إدارة ملفات الفساد على المستوى الوطني كما أراد أن يفعل الوزير المقال عبيد البريكي.

وكشف المصادر أن الطبوبي عارض بشدة فكرة الإضراب المفتوح التي يدعو لها صقور نقابة التعليم الثانوي من جماعة حركة الشعب، المنتمية إلى التيار القومي الناصري، ما اضطر النقابة إلى تأجيل الإضراب المفتوح الذي كان مقررا من السابع من مارس الحالي.

ويتخوف الاتحاد من أن يجد نفسه ليس فقط في مواجهة الحكومة، وإنما في مواجهة آلاف العائلات التي سيجد أبناؤها أنفسهم بلا دراسة بسبب معارك بأجندات سياسية يخوض أصحابها حملات انتخابية سابقة لأوانها قبل إجراء الانتخابات المحلية (البلدية) نهاية العام، والانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2019.

صوت التهدئة

وطالما أفشل ضغط الشارع محاولات سابقة للدفع نحو “سنة دراسية بيضاء”، أي سنة بلا امتحانات ما يكلّف الأسر خسارة مالية ومعنوية كبيرة، فضلا عن تكاليفها الباهظة على الدولة.

ومن الواضح، أيضا، أن الحكومة ساعدت اتحاد الشغل على إنجاح خيار التهدئة من خلال تسريبات عن تعهدها بإقالة وزير التربية المثير للجدل، ولكن بعد أن تهدأ الأمور، وتعود المدارس والمعاهد إلى نشاطها العادي، حتى لا تبدو الحكومة في موقف ضعف، وتشجع قطاعات أخرى على الاجتراء عليها.

وقال كاتب عام مساعد النقابة العامة للتعليم الثانوي، مرشد إدريس، إن الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل أبلغ النقابة بقرار رئاسة الحكومة المتمثل في إقالة وزير التربية ناجي جلول، لكن ليس في الوقت الراهن حتى تكون إقالته بصفة عادية وليس تحت ضغط النقابة.

ونعتقد أن قيادة الاتحاد ورئاسة الحكومة مطالبتان بإجراءات عاجلة لبناء الثقة بانتظار حسم ملف وزير التربية في الأشهر القادمة في سياق تعديل وزاري أشمل.

ومن هذه الإجراءات ضغط الاتحاد على نقابة الثانوي لتخفف من خطاب التصعيد الذي لا يترك للحكومة سوى خيار وحيد وهو التمسك بوزير التربية، لأن لا أحد ينتظر أن تقبل حكومة الشاهد التسليم بالأمر الواقع وإقالة الوزير تحت وقع الإضرابات.

ومن الواضح أن الاتحاد سيجد نفسه في المستقبل القريب مطالبا بمراجعة أسلوب الأرض المحروقة الذي تتبعه بعض النقابات، ويؤدي إلى خسائر كبيرة بالنسبة إلى البلاد، مثل الإضرابات التي توقف إنتاج الفسفاط وإضرابات التعليم والصحة والمالية وغيرها.

إن الظروف التي ساعدت على تضخم الطوباوية النقابية، وشعار “الاتحاد أكبر قوة في البلاد” مثلما يردّد أنصاره، وبالتالي من حقه أن يتحكم في مصير البلاد وقراراتها ونظامها الاقتصادي والاجتماعي، قد تغيرت بشكل كامل. ومن مصلحة الاتحاد أن يعود إلى دوره التعديلي، أي أسلوب التفاوض من أجل ضمان وضع أفضل للعمال والموظفين المنخرطين فيه، وليس فرض زيادات ومنح وترقيات تزيد من إغراق البلاد في المديونية.

ولا شك أن تمتع الخط العاشوري (نسبة إلى الأمين العام الراحل الحبيب عاشور) بالثقل داخل الاتحاد سيفرمل نزعات التصعيد ومحاولات استنساخ التجارب السياسية والنقابية في الجامعة وإسقاطها على اتحاد العمال.

وعلى الحكومة أن تطلب من وزير التربية أن يكف عن التصريحات التي تصب الزيت على النار، وأن يقلل من ظهوره في وسائل الإعلام. وسيكون من المفيد لو أقدم رئيس الحكومة على إقناع وزيره بتكليف الناطق الرسمي باسم الوزارة بالتواصل مع وسائل الإعلام خلال الفترة القادمة التي تسبق قرار تنحية الوزير.

ومن خطوات بناء الثقة وقف العمل بالإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية ضد المديرين الذين رفضوا مدّ الوزارة بقوائم الذين شاركوا في الإضراب، فضلا عن التراجع عن الإجراء الذي يوقف العمل بتقليد التفرغ للعمل النقابي لأنه إجراء يمكن أن يقود إلى أزمة طويلة الأمد مع الاتحاد.

ويمكن التفاوض بشأنه مستقبلا مع النقابة في مناخ مغاير لمناخ التصعيد وليّ الأذرع.

وكان ﻓﺘﺤﻲ ﺍﻟﺨﻤﻴﺮﻱ، ﺍﻟﻨﺎﻃﻖ ﺑﺎﺳﻢ ﻭﺯﺍﺭﺓ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ، أعلن عن إﻋﻔﺎﺀ 10 ﻣﺪﻳﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻳﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﻣﺘﻨﻌﻮﺍ ﻋﻦ ﻣﺪّ ﺍﻟﻮﺯﺍﺭﺓ بأسماء ﺍﻷﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﻤﻀﺮﺑﻴﻦ، فضلا عن ﺍﻗﺘﻄﺎﻉ ﻳﻮﻣﻲ ﻋﻤﻞ ﻣﻦ رواتب أساتذة التعليم الثانوي الذين شاركوا في الإضرابات.

كاتب وإعلامي تونسي

5