تونس تعج بأطفال الشوارع والسلطات تغض النظر عنهم

السبت 2014/01/25
أطفال الشوارع معاناة نفسية واجتماعية وصحية وتفكك وحرمان

هم أطفال في عمر الزهور، أعدادهم تتزايد يوما بعد يوم، تكاد تراهم أينما حللت في الأزقة والشوارع، في المدن الكبيرة والصغيرة، بمفردهم أو رفقة أمهاتهم، نسبة لا بأس بها منهم احتواها الشارع في سن مبكرة، فتعددت وظائفهم وتنوعت، وجردتهم من طفولتهم.

على الرغم من تزايدهم يوما بعد يوم إلا أن مصطلح أطفال الشوارع يعتبر حديثا وغريبا عن المجتمع التونسي، ويعتبره البعض من الملفات المسكوت عنها في تونس رغم خطورتها..

ويصنف عدد من الأخصائيين الاجتماعيين في تونس -الذين يعتبرون أن قضية الأطفال المهمشين تهدّد المجتمع- إلى صنفين: الصنف الأول، وهم الأطفال الذين يعيشون في الشارع بشكل مستمرّ ومتواصل أي أنهم بلا مقرّ إقامة ولا مصدر دخل.

والصنف الثاني يتكون من الأطفال الذين ينتمون إلى عائلات فقيرة ومعوزة مما يدفعهم للخروج إلى الشارع للعمل.. فمنهم من انقطع عن الدراسة ومنهم من يستغل العطل المدرسية للعمل.

ولا يعني غياب الأرقام الرسمية أن هذه الفئة غير موجودة فالانقطاع المبكر عن الدراسة، والانحراف المرتكب من قبل الأطفال، و”تشغيل” الأطفال، كلها عوامل تؤكد استفحال هذه الظاهرة؛ ولقد تضمنت دراسة “الظواهر السلوكية الجديدة لدى الشباب” التي أعدّها المرصد الوطني للشباب إشارات خطيرة إلى ما يتعرض له "أطفال الشوارع".

هذا وأطلق طلال المسعدي رئيس جمعية "هداية لحماية أطفال الشوارع" صرخة فزع جراء المآسي الكبيرة التي يعيشها هؤلاء الأطفال والمخاطر العديدة التي يتعرضون إليها يوميا، وذكر أن معاناتهم ازدادت حدّة وعددهم تضاعف بعد الثورة نتيجة لارتفاع نسبة الفقر واستفحال البطالة وغلاء المعيشة.

ويبدو أن تعامل الوزارات مع ظاهرة أطفال الشوارع لا يتعدى الحديث عنها كمؤشر من مؤشرات التنمية

وذكر في تصريح صحفي أن “الحديث عن هذه الفئة المهمّشة كان قبل الثورة من الممنوعات، ومن المسائل المسكوت عنها حتى أنه كان لا يسمح في الأوساط الرسمية والوسائل الإعلامية باستعمال عبارة أطفال الشوارع.. وكانت تطلق على هؤلاء الأطفال تسمية الأطفال المهددين، وفي بعض الحالات «أطفال في الشوارع» وهي عبارة لا تؤدّي المعنى المراد منها لأنها تعني جميع الأطفال الذين يخرجون إلى الشارع حتى غير المشرّدين.. أما بعد الثورة، ورغم كسر جدار الصمت الذي طالما طوّق أطفال الشوارع فإن الحديث عن هذه الفئة بقي مغلفا باحتشام ملحوظ، ولعلّ الأخطر من غياب الحديث عنهم هو تغافل الدولة والمجتمع المدني عن الاهتمام بحاجيات هؤلاء الأطفال وتواصل التعتيم حول الاحصائيات المتصلة بالظاهرة وهو أمر لم يعد له ما يبرره”..

ولا يجد الباحث عن الإحصائيات الرسمية المتعلقة بأطفال الشوارع ضالته في دفاتر المعهد الوطني للإحصاء كما أن إحصائيات وزارة الطفولة سابقا لا تعطي صورة حقيقية لحجم الظاهرة..

وأشار إلى تعرّض هؤلاء الأطفال إلى سوء المعاملة من قبل المجتمع وإلى استغلال اقتصادي أو جنسي.. وتبين من خلال أعمال التقصي التي قام بها أعضاء جمعية هداية لحماية أطفال الشوارع أن الكثير من أطفال الشوارع يشتغلون طيلة اليوم ويبيعون ما خف حمله في محطات النقل العمومي والأسواق لحساب أطراف أخرى مقابل مبالغ زهيدة. وفي هذا السياق أكد ماهر سويلم المكلف بالإعلام في وزارة شؤون المرأة والأسرة والطفل لـقناة “DW الألمانية” أن تقرير اليونيسيف الذي تمّ بالتعاون مع وزارة التنمية والمعهد الوطني للإحصاء عام 2012 تناول ظاهرة أطفال الشوارع وكل أشكال العنف التي تتعرض له هذه الفئة.

ويبدو أن تعامل الوزارات مع ظاهرة أطفال الشوارع لا يتعدّى الحديث عنها كمؤشر من مؤشرات التنمية الذي من شأنه أن يسبب العديد من المشاكل الاجتماعية، خاصة المتعلقة بالعنف وبنسبة التمدرس. تعتبر ظاهرة أطفال الشوارع من بين الظواهر التي تعكس صورة العنف الممارس ضدّ الطفولة، ورغم أهمية هذا الموضوع فإن الظاهرة لم تحظ باهتمام إعلامي كبير، كما أوضحت ذلك نتائج تقرير اليونيسيف بالتعاون مع المعهد الوطني للإحصاء ووزارة التنمية السنة الماضية.

وقد أثبتت هذه الدراسة أن 94 بالمئة من بين الأطفال الذين يتراوح عمرهم بين السنتين والرابعة عشرة يتعرضون إلى أقسى أنواع العنف، كما يجبر 3 بالمئة منهم على العمل وهي نسبة جدّ مرتفعة.

ويقول الخبير في علم الاجتماع الدكتور طارق بلحاج، إن الإشكالية تكمن في صعوبة تحديد هذه الفئة، خاصة في ما يتعلق بالفئة المرتبطة بعائلاتهم حيث أن العديد منهم يعملون لحساب أسرهم تحت إشراف أحد الوالدين. وهناك منهم من ينحدر من عائلات محتاجة وكبيرة العدد، وعادة ما يدفع بهم الأهل إلى الشارع، إما قصد التخلص من عبئهم أو من أجل دفعهم للعمل و”تحسين دخل” الأسرة.

ظاهرة أطفال الشوارع من بين الظواهر التي تعكس صورة العنف الممارس ضد الطفولة

ويضيف بأن هناك فئة ثانية من الأطفال الأيتام لا يعرف نسبهم أو توفي أولياؤهم أو قبعوا في السجن، وشبوا في الشارع دون أن يعرفوا ماضيهم الأسري والاجتماعي. وفي حالات نادرة فقد يكونوا من الذين تمّ خطفهم من أهلهم لاستغلالهم كعمال أو للتسول أو لشبكات الجريمة المنظمة. غير أن القاسم المشترك بينهم جميعا هو عدم الالتحاق بالمدرسة أو الانقطاع المبكر عنها.

ويشير خبير علم الاجتماع إلى أن هؤلاء يمثلون طاقة اجتماعية ضائعة ويشكلون خطرا داهما على أنفسهم وعلى المجتمع كذلك بسبب ما يكتسبونه من سلوكيات منحرفة. فالمعاناة النفسية والاجتماعية والصحية وعيشهم على هامش المجتمع يجعل منهم فريسة سهلة للجنوح والانحراف.

كما أن إحساسهم الدائم بالحرمان والغبن والتهميش والقهر يدفعهم الى تطوير استراتيجيات مدمّرة في مواجهة ذويهم وغيرهم من الناس. ويلعب الإدمان وتناول الكحوليات والمخدرات دورا مهما في ذلك، وقد يسقطون أيضا في شبكات الدعارة والجريمة المنظمة.

وأشارالدكتور طارق بلحاج إلى أنه رغم التشريعات التقدمية الحامية للأطفال في تونس فإن الدولة تتجاهل ظاهرة أطفال الشوارع التي ما فتئت تتزايد باستمرار. وعلى الرغم من تلميحه إلى أن الدولة تتكفل برعاية بعض العشرات من هؤلاء الأطفال، بالتعاون مع المجتمع المدني، إلا أن أغلبهم تحيط بهم المخاطر من كل جانب دون رقيب ولا مجيب.

21