تونس تعلن الحرب على المؤسسات المالية المترهلة

مساع حكومية شاقة لامتصاص صدمة التصنيفات الدولية السلبية، وتذبذب النظام المالي يؤجل معالجة الاختلالات المزمنة.
الخميس 2018/03/01
محافظ البنك المركزي الجديد في مقعد ساخن

تونس – أظهرت الحكومة التونسية إصرارا كبيرا على إدخال تغييرات جذرية في النمط القائم في نشاط المؤسسات المالية المترهلة، وفي مقدمتها البنك المركزي، بعد أن أثبتت فشلها وهو ما أدى إلى إدراج البلاد ضمن القائمات الأوروبية السوداء.

وبغض النظر عما قاله رئيس الحكومة يوسف الشاهد، حول تخاذل المحافظ السابق للمركزي الشاذلي العياري في القيام بمهامه، فإن محللين يعتقدون أن ذلك لم يكن إلا تحركا بسيطا في طريق طويل مليء بالمطبات.

واعترف الشاهد صراحة في مقابلة مع التلفزيون الرسمي بأن لوبيات الفساد بدأت تتحرك في محاولة يائسة لإبطال مفعول الحملة الواسعة التي تقوم بها السلطات ضدهم في معظم الدوائر المالية الحكومية.

عبدالجليل البدوي: الوضع معقد لأن الدولة اختارت الذهاب في مسار "نيو ليبرالي" غير متناسق
عبدالجليل البدوي: الوضع معقد لأن الدولة اختارت الذهاب في مسار "نيو ليبرالي" غير متناسق

وقال إن “الحكومة تعمل على محاسبة كل الفاسدين وإن الحرب القائمة اليوم على الحكومة والدعوة إلى تغييرها جزء كبير منها سببه الحرب التي أعلناها على الفساد”.

وتدعو الأوساط الاقتصادية منذ سنوات إلى مكافحة الترهل الوظيفي الذي يعد آفة من الآفات التي تؤثر سلبا على تطوير المؤسسات المالية، ولكونه من أسباب الفساد الإداري الذي تكون نتيجته في الغالب الفساد المالي.

وهناك مطالبات بتحريك الدبلوماسية الاقتصادية أكثر وتأسيس هيكل تابع للحكومة يضطلع بمتابعة التصنيفات الدولية مع الإسراع في وضع خطة شاملة تشجع على تداول النقد بطرق الدفع الإلكتروني.

وأشار الخبير عبدالجليل البدوي خلال ندوة ناقشت تصنيفات تونس الأخيرة إلى أن الوضع تعقد لأن الدولة اختارت مسارا “نيو ليبرالي” لا متناسق سيعرضها باستمرار لعمليات التحكيم الخارجية، وسيجعلها هدفا للتصنيف ضمن قائمات مماثلة بشكل دائم.

وهذا الموقف يأتي منسجما مع ما ذهب إليه الخبير الاقتصادي أنيس القاسمي خلال تصريح سابق لـ“العرب” بأن تونس مجبرة على السير في إصلاح نظامها المالي لتطوير أساليب العمل حتى يتسنى لها تطويق الأزمة.

وأمام محافظ البنك المركزي الجديد مروان العباسي مهمة شبه مستحيلة لإصلاح  القطاع البنكي، أحد القطاعات المعرضة لمخاطر مرتفعة في مجال غسل الأموال، مما يتطلب دعم الموارد البشرية المكلفة بالمراقبة ووضع برامج تتلاءم مع التطور التكنولوجي.

ورغم أن الخطوة جاءت متأخرة كثيرا، بحسب البعض، إلا أن معالجة الاختلالات المزمنة داخل المؤسسات المالية تبدو غاية في الصعوبة وتحتاج إلى وقت طويل، بسبب التراكمات التي خلفتها حكومة الترويكا.

 

شكك محللون في قدرة الحكومة على حسم معركتها مع المؤسسات المالية المترهلة، وأكدوا أن ذلك يتطلب إصلاحا شاملا لجميع مفاصل النظام المالي الذي وصفوه بالحلقة الأضعف بعد أن تسبب في وضع البلاد ضمن قوائم الدول عالية المخاطر وضيع عليها فرصة الإسراع في إنعاش اقتصادها المتعثر

وتجاوزت الحكومة مسألة تحميل اللجنة المالية التابعة للبنك المركزي، المسؤولية عن إدراج البرلمان الأوروبي مؤخرا تونس ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة لمخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لتضرب رياح التغيير مجلس التحاليل الاقتصادية.

وأصدرت الحكومة قرارا نُشر في المجلة الرسمية قبل أيام يقضي بتعديل ضوابط عمل المجلس مع تعيين أعضاء من ذوي الكفاءة في المجال المالي على رأسه.

ومع ذلك، لا يزال الجدل يتصاعد بسبب تصنيف البرلمان الأوروبي المستند في قراره على تقرير لمجموعة العمل المالي (غافي).

ولدى كريم بن كحلة الخبير في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية شكوك في مصداقية التصنيف لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار توصيات البنك المركزي. وقال إن “مجموعة العمل المالي ليست لديها الوسائل الكفيلة بمتابعة مدى احترام التوصيات”.

واعتبر العضو المؤسس لحلقة الماليين التونسيين، نبيل شحدورة، أن تصنيف تونس ضمن القائمة هو قرار عقاب ولم يستبعد إمكانية أن يكون بتأثير من مجموعات ضغط تعمل لصالح عدة بلدان.

ومن الواضح أن هذه الفرضية تبدو قريبة من الواقع، فقد كشفت عضو البرلمان الأوروبي ماري فيرجيات، خلال مؤتمر صحافي عقد في تونس الثلاثاء، أن الاتحاد الأوروبي يستخدم ورقة القوائم السوداء للضغط على تونس.

وشرحت فيرجيات دوافع تلك الخطوة حينما قالت إن “السبب وراء التصنيفات هو الضغط على السلطات لتسريع المفاوضات المتعلقة باتفاقية التبادل الحر والشامل والمعمق (أليكا) مع الاتحاد الأوروبي”.

10