تونس تعود للربيع

الخميس 2014/11/06

تونس التي فجرت الربيع وأعلنت في مرحلة سابقة نهاية الأنظمة الاستبدادية تعود اليوم لتعلن تغيير المسار وتبعد إسلامها السياسي إلى المرتبة الثانية.

وسط الاضطرابات السياسية والأمنية التي تعمّ جميع دول الربيع العربي، أسست تونس الجمهورية الثانية بعد الثورة ونجحت في إجراء الانتخابات التشريعية التي ألقت ظلالها على المشهد العام بإزاحتها التيار الإسلامي من المشهد السياسي، فقد كان الإسلاميون المستفيد الوحيد من تساقط الأنظمة الاستبدادية باعتبارهم القوة الدينية السياسية الأكثر تنظيما في الساحات العربية ولقدرتهم التعبوية واللعب على أوتار الهوية الدينية.

لكن هذه القوة التي فشلت في مصر وأعلنت عن سقوط مدوّي قابلته كلمات بسيطة أطلقها المصريون “ضحكوا علينا باسم الدين”، كاشفين الغطاء الديني والثقافي عن عجز الإسلام السياسي على قيادة المجتمعات والتعبير عن مطالب الشعوب وبناء الدول الحديثة، تعود اليوم لتلملم بأرقام بسيطة أقرّتها صناديق الاقتراع سقوط معقلها الأخير مع سقوط حركة النهضة، وهي الحزب الإسلامي الوحيد الذى يشارك بدور رئيسي في السلطة في العالم العربي الذي بدأ بالخطو بعيدا عن مركب الدين بعد أن غطى ضجيج أسلحة التطرف الديني كافة الساحات ورسم الإسلاميون المتطرفون ملامح الرعب من الاستيلاء على السلطة وإقصاء الآخرين وتكفيرهم في العديد من البلدان.

تأتي أهمية الانتخابات التونسية كون نتائجها ستقدم صورة النظام السياسي التونسي القادم، وستحدد مصير الرئاسة والحكومة والبرلمان وربما سياسة الدولة بحد ذاتها وإلى أي جانب سيقف النظام التونسي، ولأنها المرة الأولى التى تجري فيها انتخابات ديمقراطية يقرر فيها الشعب من يريد لتنزع بذلك الكثير من الأفكار المعتمة التي تعتبر الشعوب العربية قاصرة عن إدراك الديمقراطية وإدارتها خصوصا بعد أن سقطت هذه الشعوب تحت خيارين إما الاستبداد السياسي أو الاستبداد الديني.

الوضع الجديد سيفرض على حركة النهضة مراجعة أخطائها الداخلية بدقة وتغيير لغة الخطاب للمحافظة على حضور متميز في هذه المرحلة والمشاركة في رسم ملامح المستقبل السياسي التونسي، خصوصا أن تراجعها لم يكن ناتج فقط عن دفع فاتورة أخطاء الإسلام السياسي على مستوى العالم، بل يعود إلى عدم قدرتها على إدارة دفة الحكم بمهارة وعجزها عن حل المشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تأتي كأولوية عمل بالنسبة إلى الشعوب.

فالوضع الاقتصادي المتدهور الذي تمر به تونس، وعجز حزب النهضة عن مواجهة المشاكل الاقتصادية الموروثة من عهد بن علي مع العمل على بناء دولة ديمقراطية، بالإضافة إلى تداعيات العمليات الإرهابية، وهي بمجملها أخطاء قد لا ينجح تنظيم نداء تونس في تجاوزها رغم وعودهم بالانفتاح الاقتصادي ورأس المال الحر والتوزيع العادل للثروات.

هذا يجعل المرحلة القادمة أكثر صعوبة من ناحية ابتكار حلول سريعة لتوفير فرص العمل، خاصة لفئة الشباب باعتبارها الأكثر عرضة لإغراءات المجموعات المتطرفة، والأهم النجاح في تشكيل حكومة وفاق وطني قادرة على التقليل من أزمات الحكومة اللاحقة وتحث التونسيين على الالتفاف حولها، ما يعني الدخول في مجموعة سلاسل تحالفية ومقايضات، تدس تحت الطاولات أو فوقها على أن تثمر هذه التحالفات الموسعة في تشكيل حكومة وحدة وطنية تحقق آمال وطموحات الشعب التونسي، وتسمح بالتداول السلمي على السلطة وذلك طبقا لقانون الانتخاب الذي لا يسمح بأن تكون هناك قوة واحدة تسيطر على البرلمان المقبل وتحكم بشكل فردي.

كانت تونس البداية التي هزّت عروش الدول في العالم العربي وافتتحت الربيع الذي تحول إلى جحيم دموي في بعضها، وهي الآن بعد مضي نحو أربع سنوات تعود للربيع وتهزّ نتائج انتخاباتها الخريطة السياسية التونسية لتثبت أن الشعوب تستطيع الاختيار بعيدا عن شلالات الدم، وأن انتصار الديمقراطية وتجذير نجاحها في تونس وإظهار قوة المجتمع المدني سيكون دافعا قويا لبقية الدول ويقدم دلالة واضحة على أنه لا معنى لفكرة الحزب الواحد وأن التعددية السياسية لها أرضها الخصبة في العالم العربي.

6