تونس تغامر بفتح أبوابها لانتهازية الشراكات التركية

أنقرة تستغل انضمام تونس إلى كوميسا للتوسع في أفريقيا لغزو أسواق القارة من خلال تعزيز التعاون في شتى المجالات.
الخميس 2019/05/09
وضع حد للتغول التركي أمر ضروري

يواجه التقارب الاقتصادي المتجدد بين تونس وتركيا معارضة من قبل شريحة واسعة من الأوساط الاقتصادية والشعبية التونسية نظرا للتركة الثقيلة، التي خلفتها حكومة الترويكا حين فتحت الباب على مصراعيه أمام الشراكات التركية الانتهازية.

تونس - تسعى تركيا بكل الطرق إلى إغواء تونس اقتصاديا والاستفادة من شراكاتها مع بلدان أفريقيا لغزو أسواق القارة من خلال تعزيز التعاون في شتى المجالات.

وحاول المسؤولون الأتراك خلال منتدى الأعمال التركي التونسي المنعقد في إسطنبول الأسبوع الماضي إلى استمالة تونس من خلال كاتب الدولة للخارجية حاتم الفرجاني لحثها على فتح أبوابها الاقتصادية لتوسيع تجارة تركيا في أفريقيا.

ويعتقد محللون أن تونس تغامر بالدخول في هذا الطريق، خاصة وأن معظم الشعب يلقي باللوم على حكومة الترويكا، التي قادتها النهضة في 2013 حين أغرقت البلاد في حالة من الفوضى الاقتصادية.

ويبدو أن تركيا، التي تعيش حالة من الاضطرابات الاقتصادية نتيجة ارتباك حكومة العدالة والتنمية في معالجة الأزمات التي خلفتها سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، تريد استغلال انضمام تونس إلى السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا (كوميسا).

واعتبرت آمال سويد وهي صحافية تونسية متخصصة في الاقتصاد في تصريح لـ”العرب” أن هذه الفرضية على الأرجح، هي التي دفعت تركيا للاندفاع أكثر نحو تونس.

وطرحت تساؤلا حول ما الذي يجعل بلدا بحجم تركيا يركز على تونس ذات الاقتصاد الضعيف من أجل انتزاع حصة في أفريقيا، في حين تواصل أنقرة سياسة الإغراق والدولة التونسية غير مكترثة لذلك بالمرة.

آمال سويد: أنقرة تواصل سياسة الإغراق وتونس غير مكترثة بذلك
آمال سويد: أنقرة تواصل سياسة الإغراق وتونس غير مكترثة بذلك

وتعد كوميسا، واحدة من أبرز الأسواق المشتركة في العالم حيث تضم 19 بلدا من دول شرق أفريقيا بتعداد سكان يبلغ قرابة نصف مليار نسمة.

وتشير الأرقام إلى أن مجموع الناتج الإجمالي لهذه المجموعة يقدر بنحو 800 مليار دولار والمبادلات التجارية تصل إلى حدود 250 مليار دولار سنويا.

وتنص الاتفاقية الإطارية لكوميسا على تحرير منتجات قطاعات الزراعة والصناعة وكذلك الخدمات وغيرها من القطاعات الاستراتيجية.

وكان الفرجاني قد قال في مقابلة مع وكالة الأناضول الأسبوع الماضي إنه “توجد فرصة للشراكة بين تركيا وتونس للدخول إلى السوق الأفريقية، وتحسين حجم المبادلات التجارية والاستثمارات”.

وأضاف أن بلاده تعد بوابة أفريقيا و”لقد دخلنا في تجمعات اقتصادية مهمة، وأصبحت تونس عضوا نشطا في دول غرب أفريقيا”.

وتخول عضوية الكوميسا لتونس آليا الانضمام إلى منطقة التبادل الحر الثلاثية المكوّنة من كوميسا ومجموعة الشرق الأفريقي (إي.أي.سي) ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (أس.أي.دي.سي)، وبالتالي ستكون حافزا لتعزيز صادرات تركيا من البوابة التونسية.

ويعتقد المسؤول التونسي أن تأسيس شراكة ثلاثية من شأنها تحسين المبادلات التجارية بالنظر إلى حجم التمثيل الدبلوماسي لتركيا في أفريقيا وكذلك شركات الطيران التركية التي تؤمن رحلات إلى معظم عواصم القارة.

وأقر الفرجاني بوجود عجز في ميزان التبادل التجاري لصالح تركيا. وقال في تصريحاته “نسعى في منتدياتنا إلى التعريف بالمنتجات التونسية لتتمكن من دخول السوق التركية”.

ووفق البيانات الرسمية، يبلغ حجم المبادلات التجارية بين تونس وتركيا نحو 1.25 مليار دولار حاليا، وتسعى أنقرة إلى زيادتها إلى ملياري دولار.

وتعود أسباب غزو السلع التركية لتونس إلى 2004 حين تم إبرام اتفاقية الشراكة والتبادل الحر بين الطرفين.

في المقابل، لا يتجاوز حجم التجارة التونسية مع دول القارة نحو 5 بالمئة من حجم المبادلات التجارية، بينما تبلغ أكثر من 50 بالمئة مع دول أوروبا.

ويؤكد الفرجاني أن العلاقات الدبلوماسية والسياسية التركية التونسية تساعد على تطور العلاقات الاقتصادية باعتبارها المحرك الأساسي للعلاقات الدولية.

وقال “نسعى إلى تحسين التبادل التجاري بين البلدين وتطوير نسق الاستثمارات أيضا لأنهما ضعيفان ولا يرتقيان إلى مستوى العلاقة التي تربط البلدين”.

وتأتي الطموحات التركية في سياق عكسي لما تبحث عنه تونس في مشوار كبح انفلات العجز التجاري المتفاقم، الذي بلغ مستويات قياسية أو حتى زيادة الاستثمارات لأن مناخ الأعمال لا يزال غير مشجع بالنظر إلى البيروقراطية والفساد.

ويرى الخبير الاقتصادي التونسي أنيس القاسمي أن هذا التقارب دليل على فشل محاولات تركيا في الظفر بمساحة أكبر في أفريقيا لتسويق منتجاتها في ظل تغول الصين.

وقال لـ”العرب” إنه “رغم أن هناك جدلا واسعا حول الأسباب التي تجعل بلدا صغيرا مثل تونس، يتجه إلى الاندماج مع أنقرة لتكون جسرا نحو دول أفريقيا، إلا أن القضية تبدو آثارها أبعد مما هو معلن”.

وكشفت القفزات القياسية في العجز التجاري منذ تولي حكومة يوسف الشاهد السلطة، عن عجز السياسات الحكومية عن تعزيز الصادرات بوتيرة تنافس ارتفاع الواردات.

حاتم الفرجاني: لدينا فرصة لتحسين حجم التبادل التجاري والاستثمارات
حاتم الفرجاني: لدينا فرصة لتحسين حجم التبادل التجاري والاستثمارات

وتظهر البيانات أن العجز التجاري التونسي واصل في المنحنى التصاعدي، إذ تجاوز خلال الربع الأول من العام الجاري، 1.3 مليار دولار، مقارنة مع 1.2 مليار دولار قبل عام.

وكان البرلمان التونسي قد أعطى في نوفمبر 2018 الضوء الأخضر للحكومة لتطبيق رسوم جمركية استثنائية على البضائع التركية التي أغرقت السوق المحلية، وذلك برفعها لتصل إلى حدود 90 بالمئة من الرسوم المطبقة حينها.

ولدى السلطات التونسية قناعة بأن التصدير يعتبر مسألة وجودية بالنسبة لاقتصاد البلاد المنهك، وبالتالي لا بد من الإسراع في تطويره وتعزيز احتياطات المركزي من العملة الصعبة.

ويؤكد الفرجاني أن هناك العديد من الصناعات، التي يمكن تبادل خبراتها مع تركيا من أهمها الصناعات الميكانيكية والنسيج والملابس والأجهزة الإلكترونية والكهربائية والبنية التحتية.

ورغم أن هذا ليس مطلب القطاع الخاص فقط، بل القطاع العام، حيث توجد إرادة سياسية قوية، كما يقول الفرجاني، إلا أن الشق المعارض لهذا التقارب يرى أن توسيع الشراكات مع أنقرة يعد مجازفة في حد ذاتها.

وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو قد تحدث خلال زيارته العام الماضي إلى تونس عن استراتيجية بين البلدين لدخول الأسواق الأفريقية.

وما يرفع منسوب الشكوك حول الجدوى الاقتصادية من الميل إلى تركيا هو ضعف مساهمات أنقرة لدعم تونس في مؤتمر الاستثمار نهاية نوفمبر 2016 حيث لم تقدم تركيا سوى 100 مليون دولار كوديعة.

ولا تستثمر سوى 26 شركة تركية بين 3455 شركة أجنبية تنشط في تونس، إذ يبلغ حجم أعمالها 400 مليون دينار (138 مليون دولار) وهو مبلغ بسيط للغاية.

والهدف الوحيد الذي استفادت منه تونس من هذه الشركات، هو امتصاص جزء من البطالة من خلال توفيرها نحو 2.5 ألف فرصة عمل.

10