تونس تغرق في التصنيفات السلبية بفعل ضغوط السيولة

غياب الحلول الحازمة يضع الديون السيادية في طريق أكثر صعوبة.
السبت 2021/07/10
آفاق مالية تزداد قتامة

أشاع خفض تصنيف ديون تونس السيادية حالة من التشاؤم الممزوج بالقلق بين الأوساط الاقتصادية والمالية، التي ترى أن التجاذبات السياسية كانت السبب الرئيسي لبلوغ الوضع المالي إلى هذا الحد من السوء رغم أنهم ربطوا ذلك بتراكمات قديمة، والتي زادت من تعقيداتها الأزمة الصحية.

تونس – تترسخ حقيقة أن تونس تحتاج لمعجزة للخروج من دائرة النظرة الدولية السلبية في تصنيف أوضاعها الاقتصادية، والتي تتفاقم بفعل مخاطر انحسار السيولة النقدية بعد أن وضعتها وكالة فيتش للتصنيف الائتماني في قائمة المراقبة السلبية.

ويؤكد خبراء أن خفض فيتش تصنيف تونس طويل الأجل لمصدر العملات الأجنبية من بي إلى بي سالب مع نظرة مستقبلية سلبية لم يكن مفاجئا، خاصة وأن وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال قد حذرت في شهر مايو الماضي من أن تخلف البلد عن سداد ديونه قد يكلف القطاع المصرفي ما يصل إلى 7.9 مليار دولار.

وذكرت وكالة فيتش في تقرير حديث أن خفض التصنيف والتوقعات السلبية لتونس يعكس زيادة مخاطر السيولة المالية في ظل الضبابية التي ترافق عملية الإصلاح الاقتصادي، مع المزيد من التأخير في الاتفاق على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي.

واعتبرت الوكالة أنه لا مفر للحكومة إلا الحصول على تمويل من الدائنين الدوليين حتى تواجه أزمة سيولة محتملة، وهو ما يذهب إليه الكثير من خبراء الاقتصاد في تونس.

وقال المتخصص في الاقتصاد محسن تيس في تصريحات لـ”العرب” إن “السبيل الوحيد لخروج تونس من هذا التصنيف السلبي وانعكاساته على ثقة الدائنين هو الإسراع في عقد اتفاق واضح مع صندوق النقد الدولي على تنفيذ برنامج إصلاحي جديد”.

محسن تيس: لا مفر لتونس سوى عقد اتفاق واضح مع صندوق النقد

ورأى تيس أن هذا الأمر سيكون ضمانا كافيا للمؤسسات الدائنة حتى تمنح تونس قروضا أخرى في المستقبل لمعالجة الاختلالات المالية المزمنة، وخاصة بعد أن أظهرت بعض التقديرات أن العجز المالي وصل إلى قرابة 11.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وراكمت تونس مع نهاية العام الماضي ديونا بلغت مستوى قياسيا يقدّر بحوالي 92.8 مليار دينار (33.8 مليار دولار)، أي بارتفاع يناهز 11.3 في المئة مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعني أنها اقتربت من 90 في المئة بعدما كانت عند نحو 37 في المئة في العام 2010.

وتسعى تونس إلى الحصول على قرض جديد بقيمة 4 مليارات دولار من صندوق النقد حتى يتسنى لها مواجهة الأزمة الاقتصادية الحادة التي كبلتها التجاذبات السياسية وزادت من أعبائها المشكلة الصحية المنجرة عن تفشي الجائحة.

ورغم كثرة الشكوك حول إمكانية الحصول عليه بالنظر إلى حالات سابقة، يبدو الأمر أشبه بمن يكابد لتسلق جبل وهو لا يملك الأدوات الكفيلة بإنجاح المهمة، وقد ينعكس ذلك على النظام المصرفي ولو أن البلد ليس في محل مقارنة مثلما يحصل في لبنان.

وبعد مفاوضات شاقة استطاعت تونس في 2016 انتزاع موافقة صندوق النقد للحصول على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار ومع ذلك لم تنفّذ التزاماتها المتفق عليها إذ لم تحصل إلا على نصف ذلك المبلغ.

وقبل ذلك التاريخ حصلت في 2013 على قرض من الصندوق بقيمة 1.7 مليار دولار، لكن تونس لم تلتزم بما هو متفق عليه وحصلت على مليار دولار فقط.

ويؤكد خبراء فيتش، وهي نفس النظرة تقريبا لمعظم المتابعين للشأن الاقتصادي التونسي، أن عدم وضوح المشهد السياسي والاحتجاجات المطلبية الاجتماعية يحدان من قدرة الحكومة على سنّ تدابير قوية لضبط الأوضاع المالية العامة.

مروان العباسي: الطبقة السياسية تتحمل مسؤولية تراجع التصنيف الائتماني

وقالوا إنه في حالة عدم وجود إصلاحات قوية، قد يعتبر الدائنون الرسميون إعادة هيكلة الديون أمرا ضروريا قبل تقديم دعم إضافي.

وفي غمرة العقبات التي كانت أهم أسباب فشل تسع حكومات في إنجاح برامج القروض وتطبيق الشروط وعلى رأسها الحد من حجم فاتورة الأجور التي تلتهم ثلث الميزانية السنوية العامة للدولة وإيقاف الدعم وفق جدول زمني وتوجيه الأموال نحو تحفيز الاستثمار، تبدو الرؤية أكثر قتامة.

ويرى تيس، وهو رئيس تحرير مجلة “الاقتصاد المغاربي” المحلية الناطقة بالفرنسية، أن التصنيف الجديد سيصعب على تونس الحصول على ديون خارجية هي في أشد الحاجة إليها في المدى القريب.

وقال لـ”العرب” إن “نسبة نمو الاقتصاد التونسي المتوقعة هذا العام عند أقل من 3 في المئة وهذا لا يشجع الدائنين على منح تونس المزيد من القروض ما قد يجعل تصنيف الديون السيادية يسير في طريق أكثر صعوبة”. وأضاف “بهذا التصنيف، فإن نسبة الفائدة عند الاقتراض بالعملات الأجنبية ستكون مرتفعة جدا”.

ورغم القلق المتصاعد من ارتفاع تكاليف القروض، التي أرهقت بالفعل كاهل الدولة وسوف ترهن مستقبل الأجيال المقبلة، لا ترى السلطات خيارا آخر، خاصة في ظل الأزمة الصحية، وهو ما يؤكد فشل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في إطلاق نموذج تنموي عادل ومتوازن بين الجهات ويحقق السلم الاجتماعي.

وأجج انتشار الجائحة على نحو غير مسبوق في البلاد رغم جهود احتوائها مشاعر قلق السلطات النقدية، التي ترى بدورها أن الحكومة في موقف لا تحسد عليه كونها في مفترق صعب بين محاولة إنعاش معدلات النمو الهش، والحفاظ على مواردها المالية الشحيحة أصلا.

وسارع مروان العباسي محافظ البنك المركزي إلى تحميل الطبقة السياسية مسؤولية تراجع التصنيف الائتماني للبلد. وقال إن “خفض وكالة فيتش تصنيف ديون البلد خبر سيء وهو ناجم عن عدم الاستقرار السياسي”، ودعا إلى “قرارات حكومية واضحة بشأن إصلاحات الدعم وفاتورة الأجور”.

وثمة شق من الخبراء والمسؤولين يعتقدون أن الحلول المثالية للأزمة المالية الراهنة لا تكمن في التوجّه إلى الخارج لطلب القروض والمساعدات، بل في تعزيز مناخ الاستثمار وإنعاش المحركات الاستراتيجية للنمو حتى في ظل ظروف الجائحة.

10