تونس تفتتح مدينتها الثقافية بعد 12 عاما من الانتظار

المدينة تسعى إلى أن تكون نقطة جذب دولي لصناع الثقافة ومنصة لإطلاق حوارات في قضايا تشغل الإنسانية عبر منتدى تونس الدولي للحضارات.
الجمعة 2018/03/23
المدينة من الداخل

تونس - افتتح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي مساء الأربعاء مدينة الثقافة ليتحقّق حلم المثقفين والفنانين التونسيين بعد طول انتظار، بعدما كاد يتلاشى بسبب تعثر عملية إنشاء المدينة على مدى سنوات، حيث انطلقت الأشغال الأوّلية للمدينة التي تتوسّط شارع محمد الخامس بالعاصمة تونس في العام 2006، لتنتهي أشغال الجزء الأول منها في السنة الحالية.

12 عاما بالتمام والكمال، والمدينة تلملم بنيانها الذي توقّفت أشغاله إثر ثورة 14 يناير 2011، حيث تعاقبت حكومات وأزيد من خمسة وزراء ثقافة، والصرح على حاله لم يتقدّم قيد أنملة، ليتمّ افتتاحه الأربعاء، بحضور سياسي قياسي شمل الرؤساء الثلاثة الذين سبق ذكرهم، وعدد من الوزراء وعبدالعزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، ورؤساء أحزاب ومنظمات وطنية وسفراء دول أجنبية، علاوة على بعض المثقفين ونجوم الفن وأهل الفكر والإعلام التونسيين.

دعوة للسلام

افتتحت المدينة الثقافية بعرض فني أوبرالي بمسرح الأوبرا قدّمته أوركسترا أصوات تونس بالاشتراك مع أوركسترا الإذاعة والتلفزيون الأوكراني بقيادة المايسترو فلوديمير شايكو، حيث عزف وأنشد أكثر من 160 عازفا وصوتا مقاطع من أوبرا جورج بيزيه الشهيرة “مدينة كارمن” بأداء أوبرالي للسوبرانو الأوكرانية بوليا تاكاش والتينور التونسي حمادي لاغا ومواطنه هيثم الحذيري، والسوبرانو التونسية أميرة دخيلة، قبل أن ينهي الحفل الصوت التونسي-العربي لطفي بوشناق الذي غنّى من سجّله الطربي على الطريقة الأوركسترالية أغنية “هي كلمة باختصار” والتي دعا فيها أصحاب القرار العرب إلى الرأفة بشعوبهم كي يكون الوطن حاضنا للجميع، ليختتم الحفل الذي امتد على نحو ساعة و15 دقيقة، كما انطلق بالنشيد الوطني التونسي في توزيع أوركسترالي للتونسي عياض اللبان.

لطفي بوشناق دعا في حفل الافتتاح عبر أغنيته "هي كلمة باختصار" أصحاب القرار العرب إلى الرأفة بشعوبهم

وقال الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في تصريح مقتضب للإعلام إثر نهاية حفل الافتتاح “علينا جميعا كتونسيين وتونسيات أن نشعر اليوم بالفخر والاعتزاز بهذا المعلم الحضاري الكبير، فبرغم العراقيل التي رافقت إنجاز هذا المشروع، ورغم تكاليفه الباهظة، فهذا غير مهم، الأهم هو صورة تونس الحضارية، فالثقافة هي رصيدنا الأساسي لمقاومة الإرهاب، وما هذا المعلم إلاّ عنوانا على إرادة الحياة”.

وكلّف هذا المشروع الضخم المقام على مساحة تناهز التسعة هكتارات (حوالي 20 فدانا) 130 مليون دينار (54 مليون دولار)، وبدأت فكرة إنجاز مدينة جامعة للثقافة في تونس عام 1992، حيث انطلقت فعليا شركة تشيكية في عمليات البناء عام 2006، لكنها توقفت في 2008.

وكان يفترض أن تستأنف عمليات البناء في 2009، لكنها تعطّلت مرة أخرى بسبب خلاف بين الشركة والحكومة التونسية قبل أن يزداد الوضع تأزما مع اندلاع انتفاضة 2011، ليتم فسخ العقد مع الشركة التشيكية ومنح مهمة استكمال الإنشاءات لشركة تونسية في 2016.

وأعلنت وزارة الثقافة أن المدينة ستكون منصة لإطلاق حوارات في قضايا تشغل الإنسانية عبر منتدى تونس الدولي للحضارات، وسيمتد نشاط المدينة مبدئيا حتى يونيو قبل انطلاق المهرجانات الصيفية، وستحتضن الدورة الأولى لمهرجان “أيام قرطاج الشعرية” التي انطلقت الخميس على أن تستأنف نشاطها في سبتمبر المقبل.

وقال محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافية في كلمة الافتتاح الرسمي مساء الأربعاء “هي لحظة ليست كاللحظات، هو يوم ليس كسائر كالأيام في فضاء لا يشبه سائر الفضاءات، هو حلم يتحقّق لمدينة كانت بالأمس عصيّة فمالت واستمالت وأصغت للحب والهوى عاشقة طيّعة، لأن الهوى هو الحياة، ولأن دروب الشوق لا تزال سخيّة”.

وأضاف “تونس تراها تستعيد اليوم من خلال هذا الصرح الثقافي لحظات فارقة من إشعاعها الأممي بفضل مؤسسات وهياكل ومجموعات جديدة تحدثها توطينا وإسهاما منها في المعارف وتشكّل الثقافة الإنسانية بخصوصيتها ولغتها وخلفياتها الجمالية والدلالية”.

محمد زين العابدين: أخيرا أصبح لتونس أكبر مركز ثقافي في الوطنين العربي والمغاربي وأفريقيا
محمد زين العابدين: أخيرا أصبح لتونس أكبر مركز ثقافي في الوطنين العربي والمغاربي وأفريقيا

وصبيحة الافتتاح الرسمي، مكّنت وزارة الشؤون الثقافية التونسية وسائل الإعلام التونسية والعربية والعالمية من زيارة مدينة الثقافة التي تقع وسط شارع محمد الخامس، أحد أكبر شوارع تونس العاصمة على مساحة تقدّر بنحو 8.6 هكتار (حوالي 20 فدانا)، حيث امتدّ قسطها الأول الذي تم افتتاحه الأربعاء على 4.6 هكتار (حوالي 10 فدان).

حلم منقوص

تحتضن المدينة، ثلاثة مسارح، وهي مسرح الأوبرا (1800 متفرج) ومسرح مخصص للجهات (700 متفرج) ومسرح يهتم بالمبدعين الشبان (300 متفرج)، إضافة إلى ست قاعات أخرى للتمارين والإنتاج والتخزين، ومتحف يعنى بالفنون المعاصرة والحديثة ومركز وطني للكتب ومركز الاستثمار الثقافي.

وتضم المدينة كذلك مجمع السينما الذي يحتوي على قاعتين تتسع الأولى إلى 350 متفرجا، والثانية إلى نصفه، إضافة إلى مكتبة سينمائية والمركز الوطني للسينما والصورة.

كما تحتضن المدينة قاعات اجتماعات واستقبال ومساحات تجارية ومقاهي، إضافة إلى برج ثقافي تجاري وسياحي، يرتفع بطول 65 مترا لاحتضان الندوات الفكرية واللقاءات الأدبية والبرامج التلفزيونية والإذاعية.

وقال وزير الشؤون الثقافية التونسية في المؤتمر الصحافي الصباحي “حققنا فضاء طموحا للأجيال القادمة، هو حلم سيشكل مفخرة لتونس، هذا يوم تاريخي”.

وأضاف “من خلال هذا المشروع الذي طال انتظاره أصبح لتونس أكبر مركز ثقافي في الوطن العربي والمغرب العربي وأفريقيا”.

وفي إجابته عن سؤال “العرب” حول الخوف من أن تكون هذه المدينة الشجرة التي تحجب الغابة، من حيث المشكلات الثقافية العالقة، كقانون الفنان، والقانون الأساسي لمراكز الفنون الدرامية والركحية وغيرها، قال محمد زين العابدين “نحن نسعى بكل جد لتفعيل هذه القوانين العالقة، فمبدأنا أن تكون المدينة منارة الفنانين والمثقفين التونسيين، وهذا لن يتحقّق إلاّ حين تكون الثقافة حقا للمواطن والفنان على حد سواء”.

وتظل مدينة الثقافة في النهاية، رغم ما تم إنجازه إلى حد الآن، منقوصة من بعض المرافق الضرورية لمدينة حاضنة لمبدعيها سواء من تونس أو من خارجها، على غرار دار للإقامات الفنية والإبداعية، كما وجب تدعيم إشعاعها العالمي بالعديد من التوأمات مع المؤسسات الدولية ذات الشأن الثقافي العالي.

15