تونس تفرض سلطة القانون خشية خروج الوباء عن السيطرة

تخوف الطبقة السياسية في تونس من إمكانية فقدان القدرة على مواجهة وباء كورونا بعد تزايد حالات العدوى دفع السلطات إلى اتخاذات إجراءات أكثر نجاعة.
الأربعاء 2020/04/08
قوة القانون هي الفيصل

فرضت المخاوف من انتشار فايروس كورونا بشكل أوسع على السلطات التونسية اتخاذ إجراءات ردعية جديدة، عبر التصدي لمخالفي الحظر الشامل بقوة القانون، في رسالة يرى مراقبون سياسيون أنها تعكس فشل الدولة في مواجهة الأزمة بعد أن غلبها المرض وهي غير قادرة على قول ذلك صراحة إلا من خلال هذا الأسلوب مع تهيئة المواطنين نفسيا قبل تشديد القيود بشكل أكبر.

تونس- اعتمدت السلطات التونسية أسلوب “الترهيب والترغيب” في مسار مواجهة تفشي وباء كورونا مع استخدام كافة الطرق الردعية الممكنة في محاولة لمحاصرة هذا الفايروس قبل خروجه عن السيطرة.

واعتبر مراقبون أن هذه الخطوة رغم أنها جاءت متأخرة خاصة بعد أن تخاذلت بشكل أو بآخر في تطبيق القانون المتعلق بحالة الحظر الشامل رغم نجاح حظر التجوال المفروض من الساعة السادسة مساء وحتى الساعة السادسة صباحا من اليوم الموالي، إلا أنها تعكس القلق المتنامي بين الطبقة السياسية في دخول البلاد في مشكلة هي في غنى عنها حاليا.

وتدل تصريحات وزير الصحة عبداللطيف المكي على خطورة الوضع الذي بدأ يخرج عن السيطرة على ما يبدو مع تواصل تواصل استهتار بعض المواطنين بالحجر الصحي.

هشام المشيشي: في حال تواصل الانفلات سنمر إلى العقوبات الزجرية
هشام المشيشي: في حال تواصل الانفلات سنمر إلى العقوبات الزجرية

وأكد وزير الصحة الثلاثاء أن تدهور الوضع الصحي بسبب عدم التزام فئة من المواطنين بإجراءات الحجر الصحي الشامل يستوجب استعمال قوة القانون لردع كل المخالفين لهذه الإجراءات، وهو ما يضيّق الخناق على المواطن بين خطر الوباء وضرورة توفير مستلزماته.

وقال المكي خلال ندوة صحافية عُقدت بمعية وزير الداخلية هشام المشيشي في القصبة إن “فشل الحجر الصحي الذاتي للمصابين بالوباء سيدفع إلى اتخاذ إجراءات أكثر نجاعة تتمثل في نقل المصابين إلى المستشفيات بقوة القانون”، في وقت وصل فيه إجمالي عدد الإصابات إلى596 حالة مؤكدة و22 حالة وفاة.

وتتخوف مصالح وزارة الصحة من إمكانية فقدان النتائج التي تم تحقيقها خلال الفترة الماضية، بعد تدهور الوضع الصحي وتزايد حالات العدوى بسبب تكتم بعض المواطنين عن إصابتهم بالفايروس ورفضهم التنقل للإقامة في المستشفيات.

ولم تخف السلطات الأمنية قلقها من أن التدابير المعمول بها حاليا لم تؤت ثمارها حتى الآن وأن الوقت يبدو ملائما لفرض المزيد من القيود.

وأكد وزير الداخلية هشام المشيشي أنّه “في حال تواصل حالة الانفلات وعدم الالتزام بموجبات الحجر الصحي العام وحظر التجول سنمر للعقوبات الزجرية وقد توجه تهمة القتل على وجه الخطأ لمن ينقل عدوى كورونا لشخص آخر”.

وشدد الوزير “على ضرورة أن يكون المواطن واعيا ويقدر حجم مسؤوليته أكثر من أي وقت مضى”، مؤكدا على أنهم سيكونون صارمين في تسليط العقوبات واتخاذ القرارات.

وتزداد مخاوف التونسيين من استفحال الوباء في الوقت الذي جاءت فيه أخبار شبه مطمئنة تفيد بالنسج على منوال التجارب الناجحة في احتواء الوباء وتسجيل استقرار وقتي، وهو ما مهّد لعودة نسق الحياة تدريجيا.

عبداللطيف المكي: شهدنا استهتارا بالحجر الصحي من بعض المواطنين
عبداللطيف المكي: شهدنا استهتارا بالحجر الصحي من بعض المواطنين

وعلى الرغم من أن الإجراءات تصب في خانة حماية المواطنين ووقايتهم قدر المستطاع من إصابتهم بالعدوى، إلا أنها عزلت الكثير في بيوتهم في ظل حتمية صراع محتدم مع توفير القوت والحاجيات الضرورية للأسر.

ولعلّ الاصطفاف الكبير للأفراد أمام مقرات البريد لحصول الفئات الهشة والضعيفة على منح استثنائية لمجابهة الأزمة، خير دليل على ضعف إمكانيات المواطنين في توفير حاجياتهم الأساسية، وهو ما مثّل نقطة تحوّل في سرعة انتشار الفايروس بسبب التزاحم والتجمعات بشكل لا يطاق.

ويحقّ للسلطات استعمال قوة الردع في حالة مكافحة الوباء، فضلا عن اتخاذ إجراءات قاسية واستبدادية لها أبعاد إستراتيجية حفاظا على سلامة المجتمع. وسبق أن أمر الرئيس التونسي قيس سعيد قوات الجيش بالانتشار في الشوارع لإجبار الناس على احترام إجراءات الإغلاق المرتبطة بالفايروس.

وأعلن حجرا صحيا عاما بالبلاد، وطلب من أغلب المواطنين البقاء في بيوتهم إلا للضرورة القصوى وعلق التنقل بين المدن في تشديد للإجراءات لمنع سرعة انتشار الفايروس.

وتلزم الإجراءات القانونية المتخذة الأفراد بملازمة منازلهم بعد تمديد فترة الحجر الصحي الشامل حتى 19 أبريل الجاري مع إمكانية التمديد في الحجر، وسط مخاوف كبيرة من انفلات مفاجئ تفرضه ضرورة توفير الغذاء والدواء وغيرهما.

وأشار المكي إلى أن هناك مرضى مصدر عدواهم مازال مجهولا، قائلا إن “هناك مواطنين غادروا جزيرة جربة (جنوب البلاد) خلسة ونقلوا العدوى إلى مدن أخرى، رغم علمهم بحملهم للفايروس”.

وأوضح أن المريض عندما يكون متعاونا فإنه يسهل عملية التصدي لتفشي العدوى، مشيرا إلى أن نتيجة عدم التعاون تتسبب في نشر ستة مستويات من العدوى.

وتابع الوزير بنبرة فيها نوع من التحامل على سكان البلاد “إذا استمررنا في هذا فأنتم تقودوننا إلى نتيجة تقض مضاجعنا، هذه قضية أمن قومي بامتياز ويجب على الجميع تحمل مسؤولياته”.

يحقّ للسلطات استعمال قوة الردع في حالة مكافحة الوباء، فضلا عن اتخاذ إجراءات قاسية واستبدادية لها أبعاد إستراتيجية حفاظا على سلامة المجتمع

وكان البرلمان التونسي قد صادق في وقت سابق الشهر الجاري على مشروع قانون يتعلق بالتفويض لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بإصدار مراسيم تهدف إلى مكافحة الوباء بصورة أسرع، وذلك بعد أيام من التجاذبات بين الكتل النيابية.

ورافق إقرار هذا القانون الكثير من اللغط بين القوى السياسية، خاصة بعد أن عدلت حركة النهضة الإسلامية عن موقفها بعد أن رفضت في البداية إعطاء صلاحيات أكبر تستمر شهرين لرئيس الحكومة لتولي معركة الوباء دون الرجوع إلى السلطة التشريعية.

4