تونس تفقد محمد كرو: عاش زمن الشابي ودرس مع نازك والبياتي

الاثنين 2015/04/06
الراحل زاوج بين العمل الأدبي والنضال السياسي

فقدت الساحة الثقافية التونسية أحد أعلامها البارزين الكاتب والأديب والمؤرخ أبوالقاسم محمد كرّو، الذي وافته المنية يوم 04 أبريل الجاري، عن سن تناهز الواحد والتسعين عاما. ويعدّ الراحل من أبرز الأدباء الذين أثروا المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في جل المجالات. ونعت وزارة الثقافة التونسية الأديب كرّو، بعد معاناة مع المرض الذي ألزمه الفراش منذ مدة وحال دون ممارسة نشاطه الأدبي.

ولد أبوالقاسم محمد كرّو بمدينة قفصة (جنوب غرب تونس) سنة 1924. درس في تونس وبغداد وهو خريج دار المعلمين العالية ببغداد سنة 1952 ودرس مع أشهر شعراء العراق مثل عبدالوهاب البياتي ونازك الملائكة.

عاد كرّو إلى تونس وعمل في وزارات التربية والثقافة والخارجية وسجل في قسم الدكتوراه بجامعة الجزائر وأصدر أكثر من ستين مؤلفا وكان من رواد النشر في تونس، إذ أسس بعد عودته من العراق سلسلة “كتاب البعث “، التي أصدر عبرها كتبا لعدد من الكتاب مثل محمد مزالي ومحمد المرزوقي ومحجوب بن ميلاد وغيرهم. كما أسس أول خلية لحزب البعث في تونس.

الشابي والبياتي

ارتبط اسم كرّو بالشاعر التونسي الأشهر أبي القاسم الشابي الذي كان وراء نشر أعماله في الخمسينات. كما اشرف على نشر أعماله الكاملة بمناسبة ستينية الشابي وهو أول مدير لمؤسسة البابطين وأول مسؤول عن معجمها الشهير للشعراء العرب.

اهتم كرّو بالتراث العربي الإسلامي، وأصدر كتبا عن ابن خلدون وابن منظور وإبي القاسم الشابي وطه حسين وغيرهم وهو يعد أحد علامات الثقافة التونسية.

الباحث التونسي أبوالقاسم محمد كرّو يعتبر سجلا ومرجعا للثقافة العربية ولأسرارها خصوصا. وقد عوّد قرّاءه على كشف المزيد من خفاياها في مؤلفاته التي فاقت الستين عملا، فضلا عن المخطوط منها.

الراحل كان يحمل هموم الأمة العربية وينادي بالتشبث بأمل التحرر والمحافظة على مكتسبات الاستقلال

وفي كتابه “عبدالوهاب البياتي بين الذكريات والوثائق” الصادر عن دار المعارف بسوسة – تونس، يكشف كرّو عن بدايات علاقة “المشاكسة” بين عبدالوهاب البياتي وتونس، وكذلك علاقاته بغيره من الشعراء، خصوصا بدر شاكر السياب ولميعة عباس عمارة ومحمد مهدي الجواهري، وصولا إلى نزار قباني ومحمد الفيتوري وسواهم.

مرحلة النضال

كانت بداية النضال الوطني ضدّ الاحتلال الفرنسي في تونس في شهر نوفمبر عام 1942، حيث شارك أبوالقاسم محمد كرّو في مسيرة وطنية أثناء الحرب العالمية الثانية في جنوب تونس بين قوات المحور والحلفاء في مدينة قفصة بالجنوب الغربي من تونس بمسقط رأسه واندفع آنذاك بحماس الشباب صحبة رفاقه إلى تمزيق العلم الفرنسي المرفوع على باب مقهى خاص بالمتعاونين مع الجيش الفرنسي، وكاد يتعرض للإعدام بسبب هذا الحادث، حيث أعدمت سلطات الاحتلال، بعد يومين من الحادث خمسة وثلاثين شابا من دون محاكمة.

وفي عام 1945 أسس وترأس جمعية شباب ابن منظور القفصي، التي قامت لمدة سنوات بدور هام جدا في بثّ الوعي الوطني والقومي بين شباب المدينة من خلال نشاطاتها الثقافية والفنية والسياسية.

وتقلد كرّو عدة مناصب في مجالي التربية والثقافة في تونس ودول عربية منها ليبيا والعراق.

اسم كرو ارتبط بالشاعر التونسي الأشهر أبي القاسم الشابي وكان وراء نشر أعماله في الخمسينات

هموم الأمة العربية

كان الراحل يحمل هموم الأمة العربية وينادي بالتشبث بأمل التحرر والمحافظة على مكتسبات الاستقلال، وكان يردد دائما “يا شباب الأمة العربية العظيمة حققوا ما لم نستطع نحن أن نحققه، حققوا التقدم لهذه الأمة وهذا لا يأتي إلا من خلال العلم، إلى الأمام يا أبناء أمتي الغيارى، لا وقت للتراجع والجمود، طموحنا يجب أن يبقى دائما إلى الأمام من أجل تحقيق أهداف حزبنا العظيم في الوحدة والحرية والاشتراكية”.

في 13 أكتوبر 1948 انتقل أبوالقاسم محمد كرّو إلى بغداد في أول بعثة طلابية من تونس والجزائر والمغرب، وقد أوفدها الأمير عبدالكريم الخطابي (المغرب) والحبيب ثامر (تونس) وكانت تضمّ ثمانية طلاب (3 من تونس)، و(4 من المغرب)، و(واحدا من الجزائر).

التحق في شهر نوفمبر بدار المعلمين العالية حيث مكث بها أربع سنوات (1948ـ 1952)، وقد تعرف على أفكار البعث عام 1949 على يد رفيق سوري يقيم في البعثة التعليمية بالعراق هو فائز إسماعيل، وقد كانت فكرة البعث قد بدأت في الانتشار على يده، وكان يساعده في ذلك رفيق سوري آخر اسمه سليمان العيسى (الشاعر)، ولما ترك فائز إسماعيل بغداد كان قد انتسب إلى حزب البعث، فترك له قيادة الخلية الحزبية، وفي ذاك الوقت لم يكن لحزب البعث إلا بعض الخلايا في بغداد وبعض المدن العراقية، وسرعان ما توزعت الخلايا في كل أرجاء العراق تقريبا بعد ذلك.

وتميزت تلك الفترة بالنضال البعثي، وقد حوكم وسجن مرات عدة كما صدرت في حقه قرارات طرد ونفي متعددة في عهد النظام الملكي البائد.

شارك في يناير 1949 في مظاهرة طلابية للمطالبة بتدخل الجيش العراقي في فلسطين لفك الحصار عن الجيش المصري في الفالوجة بشمال غزة (عهد مزاحم الباجه جي). وقد طرد من دار المعلمين العالية، ثم تمت إعادته بكفالة الدكتور جابر العمر بوصفه راعيا له.

في رصيده حوالي ألف حديث إذاعي وألف مقالة منشورة في الصحف والمجلات التونسية والعربية

وبين يونيو وسبتمبر 1949 سجن لمدة تزيد عن سبعين يوما، حوكم بعدها أمام محكمة عرفية عسكرية بتهمة تكوين تنظيم مسلح لاغتيال الخونة وعملاء الصهيونية الذين تسببوا في نكبة فلسطين، وفي نوفمبر 1949، صدر قرار بإبعاده عن العراق لنشاطه القومي.

وساهم كرّو بين عامي 1950 و1952 مساهمة فعالة في نشر خلايا حزب البعث العربي بين الطلاب والعمال في بغداد والناصرية والبصرة وغيرها، مما عرّضه للاعتقال والنفي عدة مرات، وبوجه خاص إثر إعلان الشباب العربي البعثي لبيان سياسي ضدّ الأحلاف العسكرية وضدّ اتفاقية النفط العراقية ـ البريطانية (1952).

وخلال وجوده في بغداد زار عام 1951 دمشق مع مجموعة من طلاب العالية وأساتذتها برعاية وكيل العميد الدكتور جابر عمر، حيث ألقى كلمة بعثية في الجامعة السورية. وقد نشرت له جريدة البعث تلك الكلمة بعددها في 10 مارس 1951 بعنوان “أمة عربية واحدة”، إضافة إلى مقالات أخرى مثل “هيا للكفاح يا شباب العرب” و”ألوان من الحرية الغربية”.

إرث معرفي كبير

ترك الراحل أبوالقاسم محمد كرّو أكثر من ستين كتابا في مختلف المجالات، وعشرين مخطوطا، كما اشترك في كتابة أكثر من 33 كتابا، وله من المؤلفات الصغيرة 8 كتيبات إلى جانب ما يفوق عن 100 دراسة وبحث، نشرت كلها في كتب ومجلات تونسية وعربية وعدد هام من المقالات.

كرّو ترك أكثر من ستين كتابا في مختلف المجالات وعشرين مخطوطا

وقد ترجمت بعض هذه الأعمال إلى اللغات الأنكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والألمانية.

وللراحل أكثر من مئة دراسة وبحث، نشرت في كتب مشتركة وفي المجلات التونسية والعربية، وفي رصيده حوالي ألف حديث إذاعي وألف مقالة منشورة في الصحف والمجلات التونسية والعربية.

كما شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية والثقافية والعلمية، وهي تزيد عن المئة. من أعماله نذكر “ماي شهر الدماء والدموع في المغرب العربي” و”الشابي: حياته وشعره” و”كفاح وحب” و”حصاد القلم” و” كفاح الشابي، أو الشعب والوطنية في شعره” و”دفاعنا نحن” و”نداء للعمل” و”التعليم التونسي، بين الحاضر والمستقبل” و”شوقي وابن زيدون في نونيتيهما” و”العرب وابن خلدون” و”هيئة الأمم المتحدة” و”صوت الجزائر” و”الشهيد أحمد رضا حوحو” و”الطاهر الحداد” و”حديث رمضان” و”شخصيات أدبية (من المشرق والمغرب)” و”خيرالدين التونسي” و”كلمات إلى الشباب” و”دراسات في التاريخ والتراث” و”من أعلام تونس في الثلث الأول من القرن العشرين” و”دراسات عن تاريخ قفصة وأعلامها” و”عصر القيروان”.

ونتيجة للمسيرة المعرفية الطويلة، وتقديرا لجهوده النضالية والعلمية نال الراحل أبوالقاسم محمد كرّو العديد من الجوائز وحظي بالتكريم في مناسبات كثيرة. فهو حاصل على وسام الجمهورية (الصنف الثالث)، ووسام الاستحقاق الثقافي (الصنف الأول)، ووسام الجمهورية (الصنف الثاني)، وجائزة الدولة التقديرية في النقد، والجائزة المغاربية للثقافة، بالإضافة إلى جوائز وميداليات عديدة. كما تحصل في شهر يونيو من العام 2008 بمناسبة اليوم الوطني للثقافة على الصنف الأكبر من وسام الجمهورية التونسية.

14