تونس تقر باختناق الاقتصاد لكنها ترفض التحذيرات من إفلاسها

السبت 2013/08/24
الشاذلي العياري: اقتصادنا يختنق

تونس - أقر محافظ البنك المركزي التونسي الشاذلي العياري، باختناق اقتصاد بلاده بسبب استمرار الصعوبات والتحديات المتنوعة والمُعقدة التي يواجهها. وقال إن صيحات الفزع والتحذيرات التي تطلقها الأوساط السياسية والاقتصادية مقبولة ومفهومة في جزء منها، بالنظر إلى تراجع أبرز المؤشرات الاقتصادية.

لكنه شدد على أن قسما من تلك التحذيرات تضمن مبالغات غير مبررة، وخاصة تلك التي تحذر من "انهيار مالي واقتصادي وشيك لتونس". ووصفها بأنها "تهريج ناتج عن هواجس متشائمة لأشخاص تنقصهم المعلومة المالية الدقيقة".

وقال العياري "لن أكذب وأقول إن الوضع الاقتصادي والمالي لتونس جيد وعال العال... هذا أمر غير صحيح وغير دقيق. نحن في البنك المركزي نعترف بأن الوضع الاقتصادي في البلاد حرج ومتعثر، بل صعب على أكثر من صعيد".

وأضاف أن الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد التونسي كثيرة ومتنوعة، تبدأ بتراجع حركة الإنتاج وصعوبة استقطاب الاستثمارات الداخلية والأجنبية وتمويل المشاريع التنموية وارتفاع نسبة التضخم وتزايد العجز التجاري. ومع ذلك فقد أكد أن الصعوبات "ظرفية... ولا يمكن القول إننا وصلنا إلى حافة الكارثة".

ولا تتردد أحزاب المعارضة التونسية في وصف الوضع الاقتصادي الراهن بـ"الكارثي"، فيما يذهب بعض الخبراء الاقتصاديين إلى حد توقع انهيار مالي واقتصادي وشيك للدولة التونسية والوصول الى حالة "إفلاس على الطريقة اليوناينة".

وترافقت هذه التوقعات مع تصاعد الأصوات المحذرة من أن استفحال الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد خلال الأيام القليلة الماضية، والتي تخشى من أن تصبح الحكومة الحالية برئاسة علي العريض القيادي بحركة النهضة الإسلامية "غير قادرة على صرف رواتب الموظفين خلال الفترة المقبلة".

ويصف وزير المالية التونسية إلياس الفخفاخ تلك التحذيرات بأنها "غير موضوعية وتدخل في باب التجاذبات السياسية ومحاولة إرباك عمل الحكومة". لكن تصريحاته لم تنجح في تبديد مخاوف الشارع الذي مازال ينتظر نهاية الشهر بفارغ الصبر ليتسلم راتبه.

وبحسب محافظ البنك المركزي التونسي، فإن مثل هذه التصريحات والمواقف التي تشير إلى "إفلاس الدولة وعدم قدرتها على صرف رواتب الموظفين، غير مسؤولة وصادرة عن أشخاص بلا خلفية اقتصادية ومالية، وأنها تهريج لا أكثر".

وقال العياري إن الحديث عن الإفلاس "تحول إلى ما يشبه الهاجس لدى بعض الأشخاص الذين ليس لهم إطلاع على حقيقة المالية التونسية".

ولكنه اعترف بوجود مشاكل وصعوبات مالية، وقال "تتعلق بالسيولة، ولكن المالية التونسية تبقى مع ذلك بعيدة كل البعد عن الإفلاس."

وأكد ليونايتد برس أنترناشونال أن الدولة التونسية "قادرة الآن وفي المستقبل المنظور، على الوفاء بكل تعهداتها والتزاماتها، سواء كانت دفع رواتب الموظفين أو تسديد بعض الديون الخارجية إذا ما حان أجلها... لدينا اليوم ما يكفي لمواجهة أية متطلبات مرتبطة بالمديونية الخارجية".

وتابع بلغة الواثق إن"عدم وفاء تونس بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية غير وارد إطلاقا". وأشارإلى أن تونس "لا تُعاني في الوقت الحاضر من شح في النقد الأجنبي، حيث تشير الأرقام إلى أن احتياطي البلاد من النقد الأجنبي بات يغطي حاليا 109 أيام من الواردات التونسية، مسجلا بذلك ارتفاعا ملحوظا".

وأضاف أن "ذلك كله لا يعني أننا لا نعاني من ضيق مالي، ونقص في السيولة... نحن نعترف بذلك، وهذا مظهر من مظاهر الأزمة التي تعيشها البلاد".

وتؤكد الأوساط الاقتصادية والسياسية التونسية على أن الوضع الاقتصادي في البلاد وصل لمرحلة حرجة للغاية، باتت تنذر بمخاطر متعددة، خاصة وأن غالبية المؤشرات الاقتصادية سجلت تراجعا ملحوظا خلال النصف الأول من العام الجاري.

وتشير آخر الأرقام الرسمية إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية في تونس بلغت خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 568 مليون دولار، متراجعة بنحو 14 بالمئة عما كانت عليه في الفترة نفسها من عام 2010 أي قبل اندلاع الثورة.

وتدهورت قيمة الدينار التونسي أمام اليورو والدولار إلى أدنى مستوى لها خلال شهر يوليو الماضي، بينما وصل العجز التجاري في النصف الأول من العام الجاري الى أكثر من 3.51 مليار دولار.

وأرجع الشاذلي العياري أسباب الأزمة الاقتصادية، إلى تردي الوضع السياسي والأمني في البلاد. وقال إنه "طالما بقي هذا الوضع فإن كل النشاط الاقتصادي لن يؤتي ثماره."

وأضاف أن على الجميع "إدراك حجم المخاطر، والتوجه بإرادة قوية لتسوية الملفات السياسية العالقة، وتبديد الضبابية التي تُخيم على المشهد السياسي، والقضاء على الانفلات الأمني، لاستعادة ثقة المستثمر المحلي والأجنبي للاستثمار في البلاد".

وشدد على ضرورة وجود "حكومة قوية قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، لأن أي حكومة هشة لن تُفلح في توجيه رسائل طمأنة إلى الداخل والخارج". ورفض فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية، التي تنادي بها حركة النهضة الإسلامية.

وقال "هذا أمر غير مقبول، يوجد الآن في البلاد أكثر من 150 حزباً... فهل يعني ذلك تشكيل حكومة من 150 وزيرا؟ وإذا واجهت الحكومة مسألة تستدعي اتخاذ قرارات جريئة وفورية... هل يعني ذلك الانتظار حتى يتم التوافق عليها؟ لا بد إذن من فهم طبيعة الرهانات، وإدراك أن الربط بين السياسية والاقتصاد أصبح عضويا أكثر من أي وقت مضى".

وختم محافظ البنك المركزي التونسي حديثه بالقول، إن "الوقت لا يرحم، ويتعين على السياسيين أن يدركوا أن مفتاح الخروج من الأزمة الراهنة هو الوئام السياسي، وأن قدرة تونس على التعافي الاقتصادي كبيرة إذا ما توفر الأمن والاستقرار".

11