تونس تكافح لردم الفجوة الكبيرة في الأمن الغذائي

أكد خبراء أن تونس بحاجة ماسة لوضع إستراتيجية شاملة لمعالجة العجز الكبير في الأمن الغذائي، الذي تفاقم بدرجة خطيرة خلال السنوات الماضية بسبب ارتباك السياسات الحكومية وتزايد وطأة التغير المناخي. وأكدوا أن البلاد تملك جميع المقومات اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في معظم الحاجات الغذائية.
السبت 2017/06/17
ثروة تفتح أبواب الأمن

تشير البيانات إلى اتساع الفجوة الكبيرة في الأمن الغذائي في تونس بسبب غياب رؤية حكومية واضحة لمعالجة التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي، والتي تفاقمت بشكل كبير منذ عام 2011.

ورغم أن الحكومة تسابق الزمن لاعتماد إجراءات لتعزيز دور القطاعين العام والخاص في مجال الاستثمارات الزراعية للحد من الواردات الغذائية التي ترهق موازنة الدولة، إلا أنها تبدو غير كافية حتى الآن.

وأكد خبراء خلال ندوة حول “إستراتيجية الأمن الغذائي لتونس” عقدت في العاصمة هذا الأسبوع، أن البلاد تفتقر لإستراتيجية واضحة تساعدها على تحقيق الأمن الغذائي.

وقالوا إن العجز الغذائي التونسي مرشح للتفاقم بسبب تراجع القدرات الإنتاجية، بسبب شح المياه وتآكل الرقع الزراعية وتعذر الإنتاج أحيانا في ظل حالة الجفاف التي ضربت شمال أفريقيا خلال السنوات القليلة الماضية.

وتواجه الحكومة تحديات كبيرة في سبيل إقناع المستثمرين والمؤسسات المالية المحلية والعربية والدولية بدخول مشاريع الاستثمار الزراعي بسبب صعوبات توفير التمويل.

وقال حاتم بن سالم مدير المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية إن “تونس تملك جميع الإمكانات والمقومات الطبيعية لتحقيق الاكتفاء الغذائي خلال 10 سنوات رغم العقبات التي تعترضها في الوقت الراهن”.

سمير بالطيب: الأمن الغذائي لتونس لا يزال هشا رغم سعيها الطويل للاكتفاء الذاتي

وأشار إلى أن أهم المشكلات التي تحول دون الوصول إلى تحقيق الأمني الغذائي، تتمثل في سوء إدارة الثروة المائية التي تراجعت كثيرا في السنوات الأخيرة، إضافة إلى ضعف الحوكمة والإنتاج في القطاع الزراعي.

ووفق الأرقام الرسمية فإن واردات تونس من السلع الغذائية تشكل نحو 9.2 بالمئة من مجموع واردات البلاد السنوية. وتمثل الحبوب لوحدها قرابة 43 بالمئة من مجموع الواردات الغذائية تليها الزيوت الغذائية والسكر ومشتقاته.

وتعتبر التغيرات المناخية وتدهور الموارد الطبيعية وفي مقدمتها المياه من بين أهم العوامل التي تعرقل تحقيق الأمن الغذائي في ظل الجفاف الذي ضرب البلاد في السنوات الأخيرة.

وتصنف تونس حاليا في المركز الـ33 بين الدول التي تواجه نقصا في المياه بحلول 2040، وفق المعهد العالمي للموارد، ومن المحتمل أن تخسر 80 بالمئة من مواردها غير المتجددة من المياه بحلول ذلك التاريخ.

ومن بين العوامل السلبية الأخرى مشكلة تدهور جودة التربة وخصوبتها وتعرضها للانجراف والتصحر. ويتوقع الخبراء أن تخسر تونس نصف الأراضي الصالحة للزراعة بحلول عام 2050، ما ينذر بتزايد اعتمادها على الواردات الغذائية وخاصة الحبوب.

وتقول وزارة الفلاحة إن مجموع الأراضي القابلة للزراعة في البلاد يبلغ حاليا نحو خمسة ملايين هكتار، لكن المستغل منها لا يتجاوز نسبة 24 بالمئة.

وأقر وزير الفلاحة سمير بالطيب خلال الندوة بأن وضع الأمن الغذائي في تونس يبقى هشا في عدد من القطاعات رغم تحقيق نتائج طيبة في مجال توفير وتنويع المنتجات الغذائية.

وأشار إلى أن تونس تستورد قرابة نصف حاجاتها الاستهلاكية من الحبوب وأعلاف الماشية وما يصل إلى 100 بالمئة من أعلاف الدواجن.

حاتم بن سالم: المقومات الطبيعية تؤهل تونس لتحقيق الاكتفاء الغذائي خلال عقد واحد

وسجل القطاع الزراعي نموا يقدر بنحو 4 بالمئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، لكن الخبراء يقولون إن تلك النسبة ليست كافية. وشددوا على أنها تحتاج إلى حشد الجهود لزيادتها نظرا للإمكانيات التي تؤهل تونس لنمو أكبر.

وقال حبيب العايب رئيس مرصد السيادة الغذائية والبيئية إن استيراد تونس لأكثر من 50 بالمئة من احتياجاتها لبعض المواد الغذائية يعد مؤشرا مفزعا وخطيرا ويتطلب تغيير السياسات الزراعية المتبعة حاليا.

وأوضح أن السياسات الزراعية المعتمدة في تونس ومعظم بلدان شمال أفريقيا لا يمكنها تحقيق الأمن الغذائي لأنها موجهة لتحقيق الأرباح على حساب الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية وهدر حقوق صغار المزارعين. وتشير بيانات معهد الإحصاء التونسي إلى أن القطاع الزراعي يساهم بنحو 8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأنه سجل نموا سنويا بنسبة 2.8 بالمئة خلال العشرين عاما الماضية.

وأكد راي بوش الأكاديمي والباحث في الدراسات الأفريقية وسياسات التنمية أهمية وضع إستراتيجية تنموية قادرة على تحقيق الأمن الغذائي في بلدان شمال أفريقيا وخاصة في تونس، من خلال تشخيص الأسباب التي تحول دون تحقيق الأمن الغذائي وإيجاد حلول مستدامة.

وقال إن “الارتفاع المتزايد لعدد السكان ومحدودية الموارد الطبيعية الزراعية وسوء استخدامها وضعف الإنتاجية الزراعية مثلت أهم العوامل التي زادت من الفجوة الغذائية والتبعية الاقتصادية لهذه البلدان، وهو ما يتطلب تحقيق تنمية زراعية مستدامة”.

وأشارت دراسة أعدها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية مع البرنامج الغذائي العالمي التابع للأمم المتحدة إلى أن تونس تحتل المركز الـ53 في مؤشر الأمن الغذائي للعام الماضي، الذي يضم 113 بلدا.

10