تونس تكبح انفلات الواردات التركية لتقليص العجز التجاري

تلقت الحكومة التونسية دعما كبيرا في طريق الإصلاح الاقتصادي لتضييق الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري، بعدما صادق البرلمان على زيادة الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من الواردات وخاصة السلع التركية التي تسببت في إغراق السوق المحلي.
السبت 2017/12/09
لا مفر من استهلاك المنتوج المحلي

تونس - أعطى البرلمان التونسي الضوء الأخضر للحكومة من أجل تطبيق رسوم جمركية استثنائية على البضائع التركية التي أغرقت السوق المحلي، وذلك برفعها لتصل إلى حدود 90 بالمئة من الرسوم المطبقة حاليا.

ويعد القرار أحدث خطوة لتشديد القيود على واردات الاستهلاك سعيا لخفض العجز التجاري القياسي بعد قرار سابق برفع الرسوم الجمركية عن عدة مواد استهلاكية.

وسرعت الحكومة في الفترة الأخيرة من وتيرة تنفيذ التدابير الحمائية لكبح انفلات الواردات، حيث قررت قبل أسابيع حظر استيراد 220 سلعة استهلاكية غير ضرورية يقول الخبراء إنها استنزفت احتياطيات البلاد من العملة الصعبة.

وينص الفصل 36 من موازنة العام المقبل على “اتخاد رسوم جمركية استثنائية على قائمة المنتوجات الموردة ذات المنشأ التركي للتحكم في عجز الميزان التجاري وضمان توازن المبادلات التجارية بين تونس وتركيا”. وسيتم تطبيق القرار لمدة عامين بدءا من مطلع العام المقبل على أن يتم تفكيكها تدريجيا بعد انقضاء المدة وعلى امتداد ثلاث سنوات.

وتعود أسباب غزو السلع التركية لتونس إلى عام 2004 حينما أبرمت الدولة آنذاك اتفاقية الشراكة والتبادل الحر مع أنقرة.

محمد رضا شلغوم: العجز التجاري تجاوز نسبة 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي

ويلقي الكثير من المتابعين للشأن الاقتصادي التونسي باللوم على حكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة حيث أغرقت البلاد في حالة من الفوضى الاقتصادية أدت إلى الدخول في نفق من الأزمات المتتالية.

وتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي المليار دولار، وفق الإحصائيات الرسمية.

ويقول خبراء إن الإجراء ينسجم مع البند 17 من اتفاقية الشراكة المبرمة بين البلدين، والتي تنص على أنه يمكن لتونس اتخاذ إجراءات استثنائية لفترة محدودة في شكل رسوم جمركية على ألّا تتجاوز السلع المستهدفة نسبة 20 بالمئة من إجمالي الواردات من تركيا.

ويشكو المواطنون من ارتفاع أسعار السلع التي بلغت مستويات غير مسبوقة بسبب تدهور قيمة العملة المحلية التي تأثرت كثيرا بسبب عمليات التوريد الضخمة والتي تسببت في إحداث فجوة كبيرة في الميزان التجاري.

وأبرمت تونس في يوليو الماضي 4 اتفاقيات مع أنقرة خلال الدورة الثالثة لمجلس الشراكة التونسي التركي في مجالات المنافسة والمواصفات والملكية الفكرية والشركات الصغيرة والمتوسطة لردم الفجوة في التبادل التجاري.

وكانت مصادر حكومية قد نفت في وقت سابق هذا الشهر ما تردد حول تعليق تونس اتفاقية للتبادل التجاري مع تركيا.

وقال عمر الباهي وزير التجارة إنه “من غير الممكن لأي بلد يحترم تعهداته أن يقوم بإلغاء أي اتفاق ملزم مهما كانت طبيعته”. كما أكد هشام بن أحمد، وزير الدولة للتجارة الخارجية أن “العمل بالاتفاقيات الثنائية المبرمة مع تركيا مستمر ولن يتغير”.

ويحتاج قرار تعليق اتفاقية التبادل التجاري مع تركيا إلى موافقة البرلمان لمنح القرار طابع النفاذ عند تطبيقه بشكل رسمي، وهو ما يبدو مستبعدا على الأقل في الوقت الحالي.

وتفاقم العجز التجاري طيلة العام الحالي ليصل إلى مستويات قياسية قدرت بنحو 5.3 مليار دولار، ما يضغط على الاحتياطيات النقدية للبلاد التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة تحاول الحكومة حلها بشتى الطرق.

وقال وزير المالية محمد رضا شلغوم إن “العجز التجاري بات يتجاوز نسبة 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الـ11 الماضية ويكون بذلك قـد بلغ مستويات مفزعة”.

وتأمل الحكومة من خلال القرار الجديد في حماية احتياطي العملة الأجنبية الذي تراجع بشكل حاد بسبب الهبوط الكبير للعملة المحلية مقارنة باليورو والدولار.

1 مليار دولار، حجم العجز التجاري مع تركيا في العام الماضي، وفق الإحصائيات الرسمية

ووفق بيانات البنك المركزي التونسي، فإن احتياطي البلاد من العملة الأجنبية لم يتجاوز حاجز الخمسة مليارات دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، في حين كان في عام 2010 في حدود 13.5 مليار دولار.

ويجمع المحللون على أن نمو الواردات في السنوات الأخيرة كان نتيجة السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تسويق حصة كبيرة من السلع المهرّبة في السوق المحلية.

وكشف المركزي هذا الأسبوع عن خطط لتطوير النظام المالي من أجل امتصاص الاقتصاد الموازي الذي استنزف موارد الدولة بشكل كبير خلال السنوات الماضية وجعلها تغرق في أزمات متلاحقة، في خطوة يقول خبراء إنها جاءت متأخرة.

وكانت مصادر بوزارة التجارة والصناعة كشفت لـ”العرب” في مايو الماضي، أن الوزارة بدأت في مراجعة الرسوم الجمركية على مجموعة من المواد الاستهلاكية المستوردة من دول وقّعت معها تونس اتفاقيات للتبادل الحر.

وقالت المصادر حينها إن “من بين الإجراءات تقليص الامتيازات الممنوحة لوكلاء توريد السيارات مع إجبار كافـة المورّدين على تقديم وثائق وشهادات المنشأ، إضافة إلى تعزيز الرقابة الفنية على السلع الموردة”.

10