تونس تكرّم الفنان الذي أصبح متحفا

كل شيء في حياة علي عيسى يغري بإعادة الرواية، وفيلم وثائقي ينفض الغبار عن مسيرة الرجل الذي أصبح عملا فنيا.
الأربعاء 2020/01/15
فنان مثل علي عيسى لا يمكن أن يكون مروره عابرا

لم يكن من قبيل الصدفة أن يطلق العرب لقب عبقري على كل مبدع، رابطين بين فعل الإبداع ووادي عبقر الذي قيل إن الجن اتخذوه مسكنا. فالجن وحدهم قادرون على الإتيان بما يعجز عن إتيانه البشر، ولطالما أضفت الحياة الشخصية للفنان مسحة من الغموض والسحر على أعماله، هذا الغموض الذي نجح الفنان في توظيفه لتسويق أعماله، ما من مبدع إلاّ وتقف خلفه حكاية، تحتاج لراو يرويها، وهذا ما فعله المخرج التونسي مروان الطرابلسي، فراح يروي لنا على مدى أكثر من ساعة، قصة علي عيسى، الفنان الذي تحوّل إلى متحف.

ما كان لتدشين رواق "المقام" في المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بمدينة الثقافة بتونس، يوم العاشر من يناير الحالي، أن يحظى بالاهتمام لولا ارتباط المناسبة بحدث آخر هو تكريم الفنان التونسي علي عيسى، الذي رحل مؤخرا، 19 ديسمبر 2019، عن عمر 83 عاما.

و”المقام” هو رواق جديد للفن التشكيلي يضاف إلى أروقة المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، ويمثل فسحة للفنانين التشكيليين يعرضون فيها أعمالهم بصفة دورية، وفرصة للتواصل مع الجمهور.

قد لا يكون اختيار إدارة المتحف تدشين هذا الرواق بمعرض تونسي بعنوان “عليسة في المقام”، صدفة، بل أريد لهذا المعرض أن يكون تذكيرا بقيمة الفنان علي عيسى “الرجل الذي أصبح متحفا”.

عليسة، وتعرف أيضا باسم أليسا أو أليسار، هي ابنة ملك صور، ومؤسسة قرطاج وملكتها الأولى. اشتهرت بعد ذكرها في الإنيادة التي كتبها فرجيل، وعرفت بدهائها وحسن تدبيرها اللذين أتاحا لها تأسيس وحكم مملكة في شمال أفريقية، عرفت بتجارتها الواسعة وسيطرتها على بحار المتوسط. كما أن تصاهرها مع سكان شمال أفريقية أوجد الشعب البونيقي الذي استوطن سواحل المتوسط.

بين عليسة وعيسى

كما كرّست عليسة، ابنة ملك صور الفينيقية، حياتها للسياسة وبناء قرطاج، كرّس علي عيسى حياته للفن، ووهب تونس مجموعة أعمال تجاوز عددها 3000 عمل، وأوصى بأن يدفن في مشغله، الذي اعتاد أن يستضيف فيه أربعة معارض عالمية، في كل فصل من فصول العام، معرضا للخريف، وآخر للشتاء، وواحدا لكل من فصل الربيع، وفصل الصيف.

هاجرت عليسة من سواحل لبنان، مع آخرين أوفياء لها، هربا من أخيها الذي حاول قتلها، حاملة معها كنوز مملكة صور واستوطنت سواحل تونس، حيث أنشأت مدينة قرطاج “قَرْتْ حَدَشْتْ”، أي القرية الحديثة أو المدينة الجديدة في اللغة الفينيقية.

خمس سنوات من الجهد سخرها المخرج مروان الطرابلسي ليقدم لنا الفنان علي عيسى كما هو دون رتوش أو محسنات إضافية

وإذا كانت عليسة غادرت موطنها مضطرة، فإن علي عيسى غادره إلى باريس مصطحبا معه عربة “تكتك”، ملونة ومغطاة بأعمال فنية من إنجازه، ليصنع هناك حدثا فنيا، كتبت عنه وسائل الإعلام الفرنسية، فقرّر تركه لمتحف باريسي، إلاّ أن وزارة الثقافة التونسية، حسب فيلم وثائقي أعد عنه، أثنته عن ذلك ووعدته باقتنائه وجعله ملكا للدولة التونسية.

ولسبب أو آخر لم يوف بالوعد. واليوم يقبع التكتك، الذي سجلت حكايته كاميرا المخرج مروان الطرابلسي، صاحب الفيلم الوثائقي المذكور، في غرفة معتمة للمتحف الوطني للفنون التشكيليـة بباردو، مهملا يتهدّده الصدأ. وكان الفنان قد اعتاد، في فترة الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، أن يسوق أعماله متنقلا في “التكتك” بشوارع مدينة تونس وحواريها.

توج عيسى خلال مسيرته الفنية عدة مرات، وحصل على جوائز محلية وعالمية، في فرنسا وإيطاليا وكندا، من بينها الميدالية الذهبية للمهرجان الدولي للرسم بتونس، عام 1992، وقبلها نال ميدالية فخرية منحتها له أكاديمية باريس الشرقية للفنون البصرية والتشكيلية، عام 1986.

شخصية سينمائية

فنان مثل علي عيسى لا يمكن أن يكون مروره عابرا، حيث يصعب التفريق في حياته بين الشخصي والفني، لقد تماهى البعد الشخصي في البعد الفني بشكل كامل، وكان لا بد من أن تلحظه عين سينمائي مبدع، فجاذبيته لا تقل عن جاذبية روائي عظيم مثل آرنست همنغواي.

كل شيء في حياته يغري بإعادة الرواية، وهذا ما فعله المخرج مروان الطرابلسي، الذي راح ينفض الغبار عنه، من خلال عدسة كاميراته، مقدّما لنا فيلما وثائقيا، على مدى أكثر من ساعة، حمل عنوانا ذكيا هو “الرجل الذي صار متحفا”، ولو كان من الأفضل أن يحمل عنوان “الرجل الذي أصبح عملا فنيا”.

في الفيلم يطلع المخرج المشاهدين على وصية مكتوبة بيد الفنان، يهب فيها متحفه الخاص وجميع أعماله الفنية إلى الدولة التونسية.

محراب علي عيسى "المسكون بالفوضى" والمليء بآلات قديمة وثقت تنقلاته بين باريس ولبنان ولندن، والجدران المغطاة بملصقات فنية، إلى جانب أدوات الرسم، وأعداد كبيرة من اللوحات، كلها تستحق العرض في قاعة متحف كبير

ما ميز علي عيسى عن باقي الفنانين هو إصراره على أن يعيش في الهامش، رغم دراسته في مدرسة الفنون الجميلة بتونس، وتأسيسه، مع مجموعة من زملائه، “اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين”، وهو في ذلك لم يكن باحثا عن الغرابة، أو لفت الانتباه، بل كان الدافع عشق الفن.. ذلك العشق الذي، كما كان الفنان يرى، لا يقبل شريكا له.

خمس سنوات من الجهد، بذلها المخرج مروان ليقدّم لنا الفنان علي عيسى كما هو دون رتوش أو محسنات إضافية، وكما حكاها لنا الفنان على لسانه، من محرابه وسط الحي التونسي باردو. وقد يكون توصيف الفنان التونسي، سامي بن عامر، أفضل ما يمكن أن يقال في مشغل عيسى، إنه “تنصيبة كبرى”.

ألا يذكرنا هذا بتنصيبة الفنانة البريطانية المثيرة للجدل، تريسي أمين، التي عرضت غرفة نومها في قاعة “تيت غاليري” بلندن، وحقّق العمل الذي أطلقت عليه اسم “سريري” رقما قياسيا، بعد أن بيع في عام 2014 مقابل أكثر من أربعة ملايين دولار في مزاد علني. يعكس هذا العمل الواقعية بشكل واضح ويعد من صيحات الفن الحديث.

محراب علي عيسى “المسكون بالفوضى” والمليء بآلات قديمة وثقت تنقلاته بين باريس ولبنان ولندن، والجدران المغطاة بملصقات فنية، إلى جانب أدوات الرسم، وأعداد كبيرة من اللوحات، كلها تستحق العرض في قاعة متحف كبير، إنها أكبر إنجاز فني، لرسام تونسي عاش مجهولا، ولكن حتما لن يبق بعد اليوم طي النسيان.

15