تونس تلجأ للدفاتر القديمة بحثا عن القروض المنسية والمتعثرة

خطط لإيقاظ حقوق حكومية لدى البنوك بقيمة 2.7 مليار دولار، وضربة مزدوجة لإصلاح النظام المصرفي وإخراجه من الركود.
الخميس 2018/04/12
رحلة شاقة لملاحقة الأموال الضائعة

تونس - كشفت الحكومة التونسية عن تفاصيل خطة جديدة وصفها بعض الخبراء بـ“المتأخرة” لاسترداد ديون متعثرة في البنوك الثلاثة المملوكة للدولة، والتي تفاقمت أزماتها في السنوات الأخيرة، من خلال تأسيس لجنة لمراقبة خطوات إعادة هيكلتها.

ونسبت رويترز إلى توفيق الراجحي، وزير الإصلاحات الاقتصادية، قوله إن “الحكومة تدرس خططا لاسترجاع ديون بقيمة 6.5 مليار دينار (2.72 مليار دولار) في البنوك الثلاثة ضمن خطط لإصلاح القطاع المصرفي”.

وأوضح أن الحكومة بدأت بالفعل خطوات إصلاح القطاع “عبر خطط للحوكمة الجيدة ثم رفع رأسمال البنوك الثلاثة، والآن نسعى لتحسين أداء تلك البنوك عبر خطة تتيح لها استرجاع الديون المتعثرة التي منحتها البنوك العمومية”.

وتواجه البنوك الحكومية، وهي الشركة التونسية للبنك (أس.تي.بي) والبنك الوطني الفلاحي (بي.أن.أي) وبنك الإسكان (بي.أتش)، مشكلات مالية كبيرة بسبب ارتفاع الديون المسجلة أو المشكوك في استرجاعها.

توفيق الراجحي: الحكومة بدأت خطوات إصلاح القطاع المصرفي عبر تعزيز الحوكمة
توفيق الراجحي: الحكومة بدأت خطوات إصلاح القطاع المصرفي عبر تعزيز الحوكمة

ويؤكد محللون أن متاعب القطاع المصرفي تزايدت بشكل ملحوظ في السنوات السبع الأخيرة، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، لكن الخطوة الجديدة تعد ضربة مزدوجة لإصلاح النظام المصرفي وإخراجه من الركود.

وأحالت الحكومة إلى البرلمان الاثنين الماضي، مشروع قانون لتدعيم الأسس المالية للبنوك الثلاثة، يقترح إحداث لجنة جديدة تضم 12 عضوا للإصلاح الإداري والهيكلي فيها مع اعتماد سياسات جديدة لاسترجاع الديون وتدقيقها.

ووفق المقترح، ستتشكل اللجنة إلى جانب خمسة نواب من البرلمان، من ثلاثة أعضاء يمثلون وزارة المالية وعضوين عن محكمة المحاسبات وعضوين عن البنك المركزي.

ويأتي مشروع القانون في ظل إقرار الحكومة بعدم قدرتها على إعادة هيكلة الشركة التونسية للبنك وبنك الإسكان وعدم تحقيق النتائج المستهدفة لتخفيض حجم الديون المتعثرة، التي أثرت بشكل واضح في نشاطها، وفق مخطط الإصلاح السابق الصادر في 2015.

وقال الراجحي لقد “أرسلنا للبرلمان مشروع قانون في هذا الخصوص لنعطي البنوك الأدوات والإمكانيات القانونية لاستخلاص الديون المتعثرة مثل إمكانية طرح خطايا التأخير أو إمكانية المضي قدما في مسار المصالحة مع زبائنها”.

وكانت الحكومة قد ضخت قبل ثلاث سنوات نحو 400 مليون دولار في البنوك الثلاثة، سعيا لإنقاذها في وقت تعاني فيه من صعوبات مالية.

وتعمل الحكومة على تسريع الإصلاحات الاقتصادية، وفق وصفة صندوق النقد الدولي، لخفض عجز الموازنة المتوقع أن يبلغ 4.9 بالمئة هذا العام قياسا بنحو 6 بالمئة العام الماضي.

ويعتبر إصلاح القطاع المصرفي من ضمن الخطوات المهمة التي يطالب بها الصندوق، الذي اتفق مع تونس قبل عامين على برنامج تمويل بقيمة 2.9 مليار دولار على مدى أربع سنوات مقابل حزمة إصلاحات قاسية.

حبيب كراولي: معظم البنوك تشكو من صعوبات وكانت ستفلس لولا تدخل البنك المركزي
حبيب كراولي: معظم البنوك تشكو من صعوبات وكانت ستفلس لولا تدخل البنك المركزي

وتواجه تونس صعوبات اقتصادية في ظل معدل تضخم مرتفع وعجز تجاري خارجي فاق كل الحدود تسبب في امتصاص جزء من الاحتياطات النقدية وانعكس في نهاية المطاف على نشاط البنوك.

ويعاني القطاع المالي من غياب الحوكمة التي تنشر الفوضى والترهل، ما أدى إلى ضعف كفاءة البنوك وحوّلها إلى عائق كبير بدل تحريك النشاط الاقتصادي في جميع القطاعات.

ويقول اقتصاديون إن إعادة هيكلة القطاع خطوة إجبارية، لكن يجب أن تخضع للتدقيق بشكل دوري وألا تمر دون محاسبة المسؤولين على الوضعية التـي وصلـت إليهـا تلـك البنوك.

وتشير التقديرات إلى أن البنوك في تونس، والبالغ عددها 24 بنكا، توفر حوالي 87 بالمئة من الاستثمارات، وبالتالي فإن إعادة هيكلتها على أسس مستدامة يمكن أن تنعش الاقتصاد.

ويقول حبيب كراولي الرئيس المدير العام للبنك الاستثماري التونسي “كاب بنك”، الذي يقدم الخدمات الاستشارية للشركات، إن معظم البنوك تشكو من صعوبات هيكلية وشح في السيولة ولولا تدخل البنك المركزي لواجهت صعوبات أكبر أو كان مصيرها الإفلاس.

وأكد في دراسة نشرت في يناير الماضي، أنه لا يوجد بنك برأسمال تونسي بالكامل قادر على مرافقة مستثمر تونسي خارج البلاد، كما أن معظمها تشكو من ضعف كبير في الموارد الذاتية ويتوقع أن يؤثر هذا العجز مع تواتر صدور التصنيفات الدولية الجديدة.

وانعكست الوضعية السيئة للبنوك التونسية على تصنيفاتها الإقليمية والدولية إذ لا يوجد أي بنك محلي ضمن أفضل 50 بنكا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

وما يزيد وضعية البنوك سوءا هو مساهمة الدولة في 15 بنكا من مجموع البنوك العاملة بالبلاد وهو ما ينتقده الخبراء الذين يرون أن تواجدها في هذا الكم من البنوك ليس له فائدة.

ويشدد الكثير من خبراء المال في تونس على أن القاعدة الأساسية في استراتيجية الدول عادة، هي أن تحشد عملياتها في بنك واحد حتى لا تضيع الاستثمارات في مجموعة واسعة من المؤسسات المالية وبالتالي تشتت قوتها.

10