تونس تنتخب في أجواء هادئة أول برلمان لها بعد الثورة

الاثنين 2014/10/27
الناخبون والجيش والشرطة.. يد واحدة لتأمين الانتخابات التشريعية التونسية

تونس - تونس هي المكان الذي بدأ فيه الربيع العربي سنة 2011، وهي المكان الوحيد الذي لم تفشل فيه تلك الحركة من أجل الحرية. وستخبرنا التعقيدات السياسية لهذه الانتخابات بالكثير عما إذا كانت تونس ستنجح في إرساء ديمقراطية عملية أم أنها ستعود إلى المربع الأول من الثورة، وربما لما قبل الثورة.

أدلى التونسيون بأصواتهم، أمس الأحد، لانتخاب برلمان جديد، في الوقت الذي أصبح فيه أخيرا احتمال تطبيق نظام ديمقراطي كامل قريب المنال بعد أربعة أعوام من الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. ويأمل التونسيون والمجتمع الدولي أن تمرّ الانتخابات دون مشاكل، وتقبل جماهير الناخبين نتائجها. فمقارنة بميادين القتال في سوريا وما يجري في مصر وحالة العف وعدم الاستقرار في ليبيا، تبقى تونس مثال النجاح لثورات الربيع العربي، بحكم قيامها بنقل السلطة السياسية عبر صناديق الاقتراع إثر نجاحها في خلع حكم رأى فيه التونسيون أنه حكم استبدادي.

وقد فتحت مكاتب الاقتراع أبوابها، صباح أمس الأحد بتونس، لاستقبال الناخبين في أول انتخابات تشريعية بعد إقرار دستور جديد للبلاد. وبدأ أكثر من 11 ألف مكتب اقتراع موزعين بأنحاء البلاد في استقبال الناخبين منذ الساعة السابعة بالتوقيت المحلي، واستمرت تلك العملية إلى حدود الساعة السادسة مساء دون انقطاع. وكانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أعلنت في وقت سابق، أن العدد النهائي للناخبين التونسيين المسجلين إراديا والمؤهلين قانونا للإدلاء بأصواتهم هو خمسة ملايين و237 ألف ناخب من بين أكثر من سبعة مليون تونسي مؤهلين للاقتراع.

وسبقت عملية الاقتراع داخل تونس، عملية الاقتراع في الخارج، التي انطلقت يوم الجمعة الماضي، وقد سجلت خلالها بعض المشاكل التقنية في عدد من المكاتب بسبب منع تونسيين من الإدلاء بأصواتهم لغياب أسمائهم من قائمات الناخبين على الرغم من قيامهم بعمليات التسجيل، حسب ما أدلى به لـ”العرب”، المواطن التونسي المقيم في باريس عبدالرحمن حامي.

هذه الانتخابات التي تشارك فيها أكثر من 1300 قائمة حزبية ومستقلّة، ستتوّج المرحلة الانتقالية الممتدة منذ الإطاحة بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي في يناير 2011. كما ستمهد لتأسيس برلمان جديد يستمر لمدة خمس سنوات تنبلج عنه حكومة شرعية ستُشكّل لاحقا وفق النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع، على أن تتولى مهاهما في أقصى تقدير في فبراير القادم.

يمثل انعدام فرص العمل والاستقرار المالي والأمني أكثر مصادر القلق عند التونسيين

وبحسب أجندة الانتخابات المعلنة من قبل الهيئة المستقلة سيتم التصريح بالنتائج الأولية للانتخابات التشريعية في أجل لا يتجاوز يوم 30 من الشهر الجاري، والنتائج النهائية في أجل لا يتجاوز يوم الـ 24 من نوفمبر القادم، أي بعد يوم واحد من تاريخ الانتخابات الرئاسية.


أولويات التونسيين تغيرت عن 2011


أغلب التونسيين لا يرغبون في العودة إلى تلك الأيام التي كانت فيها نتائج الانتخابات معروفة سلفا، والتي كانت الشرطة السرية ترصد فيها مراكز الاقتراع عن قرب. لذلك، يتحدث كل المرشّحين والناخبين، لأول مرة في تاريخ البلاد، بلغة يغلب عليها خطاب حقوق الإنسان والتسامح السياسي. كما أن المسار الذي سارت عليه تونس غداة “انتفاضتها الشعبية” التي أطاحت بالنظام السابق، أنتج وضعا، أقلّ ما يقال عليه إنّه أفضل من الأوضاع التي يمرّ بها جيرانها الذين أطاحوا أيضا بحكامهم الذين استمروا في السلطة لفترات طويلة خلال انتفاضات ما سمّي بـ”الربيع العربي”، حسب عدد من المراقبين.

ويشير مختصون في الشأن التونسي إلى أن التقاليد المدنية الراسخة وقواعد المجتمع المدني القوية التي عرفها التونسيون منذ استقلال بلادهم، وحتى وإن لم تكن تطبّق بطريقة ديمقراطية خلال الأنظمة الماضية، إلا أنها بقيت ميزة ساعدت على إبقاء العملية السياسية في تونس في المسار الصحيح، رغم ما شهدته البلاد من أحداث عاصفة خلال السنوات التي أعقبت سقوط النظام.

وقد صرّح جمعة في مقابلة مع صحيفة “ذي غارديان” البريطانية قائلا: “إذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من التجربة التونسية، فسيكون أنّ المواجهة لا تجدي نفعا، وإيجاد الحلول العملية يحتاج إلى الحوار وتقديم التنازلات”.

مهدي جمعة: إيجاد الحلول العملية لمشاكل تونس يحتاج إلى الحوار وتقديم التنازلات


قضايا ملحة


تمكّنت تونس من تجنّب حالتي الاستقطاب والفوضى اللّذين شهدتهما تلك الدول المجاورة على الرغم من مواجهتها لتوترات مماثلة خلال فترة حكم الإسلاميّين الذين اتهمهم خصومهم العلمانيون بالسعي إلى أخونة الدولة، بما كان سينجر عن ذلك من تهديد للحريات العامة والخاصّة وللمسار الديمقراطي عموما. لكن، بينما هيمن دور الإسلام في السياسة على الانتخابات الأولى التي جرت في 2011، فإن التشغيل وتوفير الوظائف والفرص الاقتصادية وصراع تونس مع إرهاب المتشددين الإسلاميين، هي الآن القضايا الرئيسية التي تشغل بلدا يعتمد بشكل كبير على السياحة الأجنبية.

وستحتاج الحكومة الجديدة إلى تعزيز النمو وتوفير فرص عمل أكثر لكثير من التونسيين لطالما احتجّوا على عدم حصولهم على أيّة مزايا اقتصادية من “الثورة”. ولكن سيتعين على هذه الحكومة أيضا، تطبيق إجراءات تقشفية صارمة لخفض الدعم العام. ومن بين القضايا الملحة أيضا على أجندة الحكومة المقبلة، معالجة التهديد الذي يشكله المتشددون الإسلاميون الذين تزايد تأثيرهم بعد سقوط نظام بن علي، وخاصة أثناء فترة حكم “الترويكا” التي تشكلت من أحزاب النهضة والمؤتمر والتكتل كما سبق وأشرنا إليه، بما في ذلك جماعة “أنصار الشريعة” المتطرفة التي تصنفها واشنطن وكذلك تونس على أنها “جماعة إرهابية”. ستواجه تونس طبعا تحديات في طريق جعل ديمقراطيتها تعمل بشكل ناجح، ويبقى مفتاح النجاح في إدراك جميع الأطراف أن سياسة ‘الرابح يأخذ الكل’ لا تتلاءم مع مرحلة الانتقال الديمقراطي. ورغم أنه لم تتضح توجهات الناخبين في الفترة الصباحية من الاقتراع، لكن من المرجح أن تختلف موازين القوى عما كان عليه الحال في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، إلا أن الحل وفق الكثير من المحللين والمختصين يكمن في تكوين حكومة ائتلافية.


اقرأ أيضا في العرب:


كيف ستوازن تونس بين احترام الحريات ومجابهة الإرهاب


ثورة الياسمين لم تتحول إلى حرب أهلية

6