تونس تنهي عاما آخر بخطوات شاقة نحو التحول الاقتصادي

تودع تونس عام 2016 باقتصاد منهك انعكس بشكل كبير على حياة التونسيين الاستهلاكية رغم جهود الحكومة الحثيثة للابتعاد عن شبح الأزمة، بدءا بالتقشف مرورا بسن قوانين جديدة لتوفير مداخيل إضافية للخزينة وصولا إلى تحريك الدبلوماسية الاقتصادية.
الأربعاء 2016/12/28
الإقبال على الاستهلاك رغم الغلاء

شكلت سنة 2016 نقطة تحول كبيرة في مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي لتونس، وقد اتخذت خلالها حكومة يوسف الشاهد خطوات جريئة وقاسية، لكن العام كان صعبا في المجمل على معظم التونسيين في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

ومرت تونس خلال العام 2016 بالعديد من المحطات الهامة في محاولات للخروج من الأزمة الاقتصادية ومن المتوقع ألا يتجاوز معدل النمو عتبة 1.6 بالمئة في أحسن الحالات، نظرا للركود الذي ضرب معظم القطاعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها صناعة الفوسفات.

ورغم المظاهر السلبية التي ارتسمت على الحياة الاقتصادية بشكل عام، إلا أن البلاد بدأت في تلمس طريق الإصلاح تدريجيا لمعالجة البطالة والفقر بعد أن أرخت الكثير من العراقيل بظلالها على جهود حكومة الحبيب الصيد السابقة.

وفتحت حكومة الشاهد ورشة كبيرة لإصلاح الاقتصاد مع توليها الحكم في أواخر أغسطس الماضي، بعد أن اصطدمت بتركة ثقيلة، وهو ما دفعها إلى إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية والبدء في تطبيق خطوات التقشف الإجباري.

وركزت منذ ذلك الحين، على تحسين صورة تونس داخليا وخارجيا عبر الترويج لمناخ الأعمال لدى شركاء تونس إلى جانب المنظمات المالية الدولية، من خلال اعتماد الدبلوماسية الاقتصادية لإنعاش النمو.

وشكل مؤتمر الاستثمار “تونس 2020” الذي تم تنظيمه في أواخر نوفمبر، المحطة الأبرز في السنوات الست الأخيرة، حيث استطاعت الحكومة تحقيق نصف نجاح عبر جمع 14.7 مليار دولار في شكل قروض واستثمارات.

أهم المحطات الاقتصادية في 2016
تنظيم "مؤتمر 2020" للاستثمار

إطلاق مشروع "مرفأ تونس المالي"

اتفاق مع الصين للتعامل بالعملات المحلية

المصادقة على قانون الاستثمار الجديد

إقرار قانون إصلاح المنظومة المصرفية

عودة الرحلات السياحية من دول أوروبية

شراء 20 قاطرة أميركية لنقل الفوسفات

إطلاق برنامج للاستثمار في الطاقة النظيفة

تأجيل زيادة أجور موظفي القطاع العام

إطلاق برنامج لتحفيز صغار المستثمرين

وعشية المؤتمر، أعطت تونس إشارة قوية للمستثمرين الأجانب عندما أعلنت عن إطلاق مشروع “مرفأ تونس المالي” الذي تطمح إلى أن يغير وجهة البلاد في السنوات المقبلة ويجعلها أحد أهم المراكز المالية في منطقة البحر المتوسط بتكلفة 3 مليارات دولار.

واستبقت تونس تلك الأحداث، بإقرار البرلمان قانون الاستثمار الجديد، الذي يدخل حيّز التنفيذ مطلع 2017، وسط انتقادات من الأوساط الاقتصادية التي رأت أن روح هذا القانون لم ينبع من حاجة محلية ملحة، وإنما حيكت فصوله تحت ضغوط صندوق النقد.

ومثلت المصادقة على قانون إصلاح النظام البنكي المثير للجدل، في يونيو، خطوة أخرى في طريق استكمال تنفيذ حزمة الشروط التي فرضها صندوق النقد، ضمن اتفاق قرض بقيمة 2.8 مليار دولار.

وعاد القطاع السياحي إلى الانتعاش هذا العام باستقبال أكثر من 5.5 مليون سائح، وتحقيق عوائد فاقت المليار دولار جراء عودة الاستقرار الأمني واستئناف الرحلات السياحية من معظم الدول الأوروبية.

ونجحت الحكومة في تخفيف أزمة صناعة الفوسفات في أكتوبر، حين أجبرت المحتجين على تعليق اعتصاماتهم في الحوض المنجمي بمحافظة قفصة بهدف إعادة الإنتاج إلى ذروته التي بلغت 8 ملايين طن سنويا في العام 2010.

وتوجت جهودها بإبرام صفقة مع شركة “إلكتروموتيف ديزل” الأميركية لشراء 20 قاطرة حديثة لنقل الفوسفات ومشتقاته بقيمة 75.43 مليون دولار.

وسعت الحكومة إلى إنعاش سوق العقارات حين تضمن قانون الموازنة الجديد برنامج “السكن الأول” الذي تكون فيه الدولة وللمرة الأولى طرفا في التمويل بنسبة 20 بالمئة من قيمة العقار.

كما أطلقت الحكومة في أكتوبر، برنامجا طموحا للاستثمار في قطاع الطاقة البديلة بالشراكة مع القطاع الخاص، باستثمارات تقدر بنحو مليار دولار لتوفير احتياجاتها من الطاقة.

واعتمدت الحكومة كذلك خطة لتسريع النمو في كافة القطاعات وخاصة قطاع الزراعة باستثمارات إجمالية تقدر بنحو 112 مليون دولار لتحفيز صغار المستثمرين في المحافظات التي تعاني من التهميش.

ولم تحجب تلك الخطوات حقيقة الوضع الاقتصادي، في ظل ارتفاع البطالة التي بلغت نحو 15.6 بالمئة ليصل عدد العاطلين إلى حوالي 630 ألفا، وارتفاع التضخم وتفاقم العجز التجاري بسبب تنامي الواردات وتراجع الصادرات.

1.6 بالمئة، نسبة النمو المتوقعة للعام الحالي، وفقا لوزارة المالية التونسية

وتدهورت قيمة الدينار أمام العملات الرئيسية إلى أدنى مستوياته، ما أدى إلى ارتفاع فاتورة الواردات والأسعار، الأمر الذي انعكس آليا على القدرة الشرائية للمواطن والقدرة التنافسية للشركات.

وفي محاولة لمعالجة الأزمة وقّع البنك المركزي مطلع ديسمبر، اتفاقية مع نظيره الصيني للتبادل التجاري بالعملات المحلية، في وقت يدور فيه الحديث حول الاتجاه إلى تعويم الدينار العام المقبل لجلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وأحبط البرلمان في ديسمبر خطط الحكومة لزيادة الضرائب على المحامين وأصحاب الصيدليات وعدد من المهن الأخرى لزيادة إيرادات موازنة 2017 البالغة 14.2 مليار دولار، وهو ما اعتبره خبراء خطوة إلى الوراء في استراتيجية إنقاذ الاقتصاد المتعثر.

ولم تتمكن الحكومة من تعزيز قطاع الصناعة التي تعاني من استمرار هجرة المستثمرين إلى دول أخرى مثل المغرب، بسبب الرؤية الضبابية المخيمة على البلاد، رغم الوعود ببرامج اقتصادية لم ينفذ معظمها حتى الآن.

11