تونس.. جمعة يتخبط بين خارطة الطريق وضغوطات الأحزاب

الاثنين 2014/01/06
ضغوطات الأحزاب "صداع" يدق رأس جمعة قبل رئاسته للحكومة المقبلة

تونس- يعلق التونسيون آملا كبيرة على الحكومة التونسية الجديدة التي سيتم الإعلان عنها رئيس الحكومة الجديد مهدي جمعة، نهاية الأسبوع، للخروج من أزمتهم ووضع حد جذري للصراع الذي لم ينته منذ سقوط نظام بن علي بين الأقطاب السياسية في البلاد، في وقت يواصل فيه المجلس التأسيسي المصادقة على فصول الدستور الجديد.

ذكر الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، حسين العباسي، أكبر منظمة نقابية في البلاد أن رئيس الحكومة التونسية الحالي علي لعريض، القيادي البارز في حركة النهضة الإسلامية، سيقدم استقالته ،الخميس، المقبل التزاما بوثيقة خارطة الطريق للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد منذ فترة.

وأوضح العباسي في تصريحات إذاعية، السبت الماضي، أن المهلة المحددة لتقديم علي لعريض استقالته إلى الرباعي الراعي للحوار الوطني هي التاسع من شهر يناير الجاري، الذي يصادف يوم الخميس المقبل.

ويعكف مهدي جمعة منذ أن تم ترشيحه على رأس الحكومة التونسية الانتقالية المقبلة على محاولة تشكيل حكومته الجديدة، حيث اعتبر حسين العباسي في تصريحاته الإذاعية أنه يتعيّن عليه الانطلاق من “ورقة بيضاء” لتشكيل حكومته والابتعاد عن اقتراحات الأحزاب السياسية، على حد وصفه.

ومن جانبها كشفت مصادر سياسية تونسية أن مرشح الحكومة المرتقبة مهدي جمعة يتعرض لضغوطات كبيرة من حركة النهضة الإسلامية الحاكمة ومن أحزاب المعارضة على حد سواء بشأن تشكيل الفريق الحكومي، مؤكدة أنه يجري مشاورات مضنية وصعبة في ظل تجاذبات سياسية حادة على الرغم من أنه مكلف بتشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة وفق خارطة الطريق.

وأضافت المصادر نفسها، أن جمعة وجد نفسه في وضعية حرجة بعد أن اقترحت عليه الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة حوالي 120 اسما لتولي مناصب وزارية في تركيبة الحكومة وهو ما مثل مصدر قلق بالنسبة له باعتبار أن خارطة الطريق تلزمه بتشكيل حكومة من التكنوقراط تكون في منأى عن الأحزاب السياسية.

وتطالب المعارضة برحيل كافة وزراء حكومة القيادي في حركة النهضة علي لعريض الذين ترى فيهم مواليين حزبيا للحركة الحاكمة إضافة إلى أنهم مسؤولين عن فشل الحكومة التي قادت البلاد إلى أزمة خانقة تعيشها لحد اليوم. وترى المعارضة العلمانية، من جانبها، أن جمعة مطالب بتنفيذ خارطة الطريق التي تنص على تشكيل حكومة كفاءات مستقلة عن كل الأحزاب وأن مقياس درجة نجاحه في نيل ثقتها يتمثل في مدى ابتعاده بحكومته عن الإسلاميين.

وبالمقابل تمارس حركة النهضة التونسية ضغطا كبيرا على جمعة، وزير الصناعة في حكومة علي العريض الحالية، من أجل الإبقاء على عدد من الوزراء المستقلين وفي مقدمتهم وزير الداخلية لطفي بن جدو، إضافة إلى اقتراح أسماء عدد من الوزراء ليتولوا حقائب هامة في الحكومة المرتقبة وفق ما أعلنه رئيس الحركة راشد الغنوشي في وقت سابق بأنه سيقترح عدد من الأسماء في حال طلب منها ذلك، الأمر الذي يجعل جمعة بين فكي صراع الأحزاب.

خيارات صعبة للحكومة
◄ تم اقتراح 120 شخصية على جمعة من الأحزاب السياسية

◄ الحكومة المنتظرة ستكون من التكنوقراط وغير متحزبة

◄ النهضة تسعى لمواصلة هيمنتها على المشهد السياسي

◄ ملفات “حارقة” تنتظر الحكومة الجديدة

ويشدّد مراقبون تونسيون، في السياق نفسه، على أن جمعة يتعرض لضغوطات محرجة من قبل الحركة الإسلامية التي تتزعم الحكم ولا تريد مغادرته وتسعى إلى المحافظة على تمركزها من خلال تمسكها بالوزارات السيادية داخل الحكومة المقبلة وذلك باقتراح وزراء موالين لها سياسيا.

وتسعى حركة النهضة إلى الاستحواذ على حقائب وزارية هامة من أجل تأمين استمرارية هيمنتها على مفاصل الدولة، إذ تبدو غير مستعدة للتفريط في وزارات الداخلية والخارجية والعدل.

وخلال الأسبوعين الماضيين أجرى مهدي جمعة مشاورات مطولة مع الأحزاب السياسية ومع منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الراعي الأساسي للحوار الوطني الاتحاد العام التونسي للشغل، كما أجرى مشاورات مع عدد من الشخصيات السياسية المستقلة وخبراء في هذا المجال. ووصف مقربون من مهدي جمعة بأنه يشعر بـالامتعاض والقلق نتيجة تزايد حدّة الضغوطات سواء من حركة النهضة، من جهة، ومن المعارضة، من جهة أخرى، وأنه يتعرض لصعوبات في تشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة حتى أنه وجد نفسه مجبرا على تقديم تنازلات من أجل إرضاء الخصوم السياسيين في البلاد.

وبحسب تسريبات سياسية فإن جمعة بات أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يسترضي الأحزاب السياسية ويقبل بالأسماء التي رشحتها ويخضع بالتالي للضغوط، وبذلك تستمر المحاصصة الحزبية أو أن يختار شخصيات مستقلة ليست لها انتماءات حزبية وهو خيار على ما يبدو صعبا في ظل حالة الاستقطاب الذي يعيشه المشهد السياسي التونسي بين الإسلاميين والعلمانيين.

ويرى مراقبون أن جمعة سيضطر إلى السقوط في المحاصصة الحزبية، ليأخذ بعين الاعتبار اقتراحات الأحزاب السياسية ويشكل حكومة مستقلة في ظاهرها ولكنها في الواقع حكومة توافقية تتشكل من وزراء موالين بشكل أو بآخر لحركة النهضة ولأحزاب المعارضة.

ويعتقد هؤلاء المراقبون أنه في حال تشكيله لـحكومة توافقية يكون رئيس الحكومة المرتقب مهدي جمعة قد حاد عن خارطة الطريق التي تلزمه بتشكيل حكومة كفاءات من التكنوقراط، وبذلك يكون قد سقط في المحاصصة الحزبية التي أثبتت التجربة التي عاشتها تونس، فشلها في معالجة ملفات حارقة مثل التنمية والاقتصاد والتشغيل والاستثمار وغيرها من الملفات الشائكة التي لم تحل لحد اللحظة.

وينتظر أن يستكمل جمعة تركيبة الحكومة المرتقبة في الثالث عشر من يناير الحالي، حيث ستتم المصادقة عليها من قبل المجلس التأسيسي يوم بعد اقتراحه لأسماء حكومته الجديدة لتتزامن مع إعلان الدستور الجديد والتوقيع عليه من قبل رئيس الجمهورية ورئيس التأسيسي ورئيس الحكومة.

تزايد الضغوطات على رئيس الحكومة المرتقب من النهضة والأحزاب المعارضة تشعره بالامتعاض والقلق والإحراج

وتؤكد مصادر سياسية مطلعة أن رئيس الحكومة الحالي علي لعريض، متشبث بالتوقيع على نص الدستور قبل تقديم استقالته وتسليم مهامه لجمعة وذلك استجابة لرغبة حركة النهضة الإسلامية التي ترفض أن يوقع أي طرف آخر على الدستور الذي تقول إنه هدية منها للشعب التونسي على حد تعبير رئيسها راشد الغنوشي.

ويعتبر الملف الأمني من أهم الملفات التي ستسعى الحكومة الجديدة الى معالجته خاصة بعد أن أصبح ملف الإرهاب وتهريب السلاح ومحاولة القيام بأعمال تفجيرية يؤرق التونسيين. وتطالب أحزاب المعارضة في تونس من جانبها الحكومة المقبلة بضرورة إعطاء أهمية كبرى للملف الاجتماعي، خاصة بعد أن استفحلت حالة من الإحباط في صفوف غالبية فئات المجتمع جراء ارتفاع عدد العاطلين وتوسع بؤر الفقر الحرمان والتهميش، إضافة إلى أنها ستتحمل مسؤولية تنظيم الانتخابات القادمة في البلاد.

2