تونس: حتى لا نقع في مستنقع العنف

الجمعة 2018/01/12

لا جدال في أن أي تحرك احتجاجي لا يخرج عن طابعه السلمي هو تحرك مشروع في بلد يؤمن بالديمقراطية ويكفل حرية التعبير لمواطنيه، ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك بالقول إنها حالة صحيّة تعكس مدى تحضر الشعوب وتقدمها فكريا.

لكن ما تشهده تونس هذه الأيام من تحركات ومظاهرات تحت يافطة غلاء المعيشة وتفاقم البطالة بعيد كل البعد عن المفهوم الحقيقي للحراك السلمي، فحالات العنف والسرقة والنهب وتدمير الممتلكات العامة والخاصة التي تم تسجيلها في أكثر من منطقة من البلاد، قد أفرغت هذه التحركات من محتواها وقدمتها في صورة مشوّهة لا تليق بتونس التي سبق أن ضربت مثلا للعالم بأسره في التحضر بعد أن تشبّثت بسلمية ثورتها، رغم دكتاتورية النظام السابق واستعماله للعنف في إخماد هذه التحركات.

التونسي الذي خرج اليوم لممارسة حق من حقوقه والتعبير عـن رأيه بكـل حرية يجب أن يضع نصب عينيه مصلحة البلاد قبل كل شيء، ويسد جميع المنافذ أمام المغرضين والفوضويين الذين يصطادون في الماء العكر ويسعون إلى جر البلاد إلى مستنقع العنف.

والجدير بالذكر أن جل المظاهرات التي سجلت فيها تجاوزات كحرق مراكز شرطة ونهب ممتلكات عامة حدثت ليلا، وهو ما يعكس النية المبيّتة لأطراف بعينها لجعل العنف هو العنوان الأبرز، وجر هذه التحركات إلى الفوضى التي لا تخدم البلاد ولا تخدم المواطن التونسي الذي خرج للشارع من أجل الاحتجاج كحق مشروع يكفله له القانون.

نحن لا نشك في وطنية التونسيين الذين خرجوا في مظاهرات للتعبير عـن وضع متأزم ومن أجل غد أفضل للبلاد، ولكن هذا لا يمنع من وجود أطراف تعمل في الظل تدفع باتجاه تصعيد الوضع في البلاد، وتحييد هـذه التحركات عـن طـابعها السلمي والعفوي من خلال إقحام عناصر تخريبية مأجورة في وسط هذه المسيرات لافتعال مواجهات مع الأمن وشيطنة الاحتجاجات ورفع منسوب الاحتقان، ليصبح الوضع متفجّرا وخارجا عن السيطرة، وهذا لا يخدم الوضع المتردي.

لقد نجحت تونس في تحقيق مستوى متقدم من الاستقرار الأمني في الفترة الأخيرة، وهي البيئة الملائمة لتحسين الوضع الاقتصادي من خلال استقطاب الاستثمارات الخارجية وإنعاش السياحة التي عانت من ويلات التطرف في السنوات الماضية. لذلك وجب تحصين هذه التحركات من الأخطار التي تتربص بها وبالبلاد.

بارك العديد من أحزاب المعارضة في تونس هذه التحركات من وراء مكاتبهم ومن على المنابر الإعلامية وظهروا في صورة الداعم للعنف والفوضى لما تخلل هذه المظاهرات من سرقة وتجاوزات، ولكن دورها لا يقف عند هذا الحد في مثل هذه الظروف بل وجب على هذه الأحزاب النزول إلى الشارع والعمل على تأطير هذه المظاهرات للحفاظ على طابعها السلمي وعدم تركها مطية للمخرّبين والمجرمين، فالمصلحة اليوم واحدة.

كاتب تونسي

8