تونس: حكومة الوحدة الوطنية دون سند برلماني

حكومة الوحدة الوطنية التي منحها 167 نائبا الثقة من أصل 217، لم تعد تملك السند البرلماني وقد اتضح ذلك من خلال الجدل المثار حول قانون دفع النمو الاقتصادي الذي لم يتمّ تمريره إلى اليوم رغم طابعه الاستعجالي نظرا إلى خطورته وتكريسه مفهوم الدكتاتورية الاقتصادية.
الثلاثاء 2016/10/04
الشاهد يتخبط

تونس - انتقلت الخلافات بين مجلس نواب الشعب وحكومة الوحدة برئاسة يوسف الشاهد إلى العلن، حيث تكشف في كل مرة مناقشة البعض من مشاريع القوانين الحساسة والمهمة عن هيمنة الحسابات السياسية على العمل التشريعي وعن غياب السند البرلماني اللازم لهذه الحكومة التي تعهّدت بفتح ملفات خطيرة أهمها ملف الفساد.

وتفيد تقارير إخبارية بوجود مساع من داخل البرلمان لإفشال حكومة الشاهد وذلك بتعطيل المصادقة على البعض من القوانين الاقتصادية مثل مشروع قانون دفع النمو الاقتصادي المثير للجدل.

ولقي هذا القانون رفضا شديدا من قبل البعض من الكتل البرلمانية مثل كتلة الحرة التي أعلنت، في وقت سابق، تحفّظها عليه، لكن رفض الكتل الأخرى (الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي والاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس) تعلّق أساسا بالفصل 10 الذي ينصّ على تركيز وحدة تهتم بإسناد الرخص الاستثمارية. ويمكن لهذه الوحدة أن تصبح أداة للتغوّل وأخذ قرار منح الرخص من جانب واحد دون محاسبة ورقابة، بحسب النوّاب المعارضين.

وفي هذا الصدد، أكد النائب عن الجبهة الشعبية فتحي الشامخي وعضو لجنة المالية والتخطيط والتنمية في تصريحات لـ”العرب”، أن حكومة يوسف الشاهد تتظاهر بأنها حكومة وحدة وطنية لكنها في الحقيقة حكومة غير متجانسة لأن مصالح الأحزاب المكوّنة لها متضاربة، موضّحا أن النواب من خلال مناقشتهم لمشروع قانون دفع النمو الاقتصادي وجّهوا رسالة سياسية مفادها أن هذه الحكومة لا تملك السند البرلماني رغم أن 85 بالمئة من البرلمان منحها الثقة.

وأفاد الشامخي بأن كتلة الجبهة الشعبية إلى جانب الكتل الأخرى ترفض هذا القانون لأنه خطير ويلغي الدولة وكل آليات الرقابة ويمنح رئيس الحكومة سلطة القرار الأول والأخير دون محاسبة، وبالتالي يكرّس مفهوم الدكتاتورية الاقتصادية، موضحا أن يوسف الشاهد يمكن له وبتقدير شخصي الموافقة على مشاريع لمستثمرين أجانب تضرّ بمصلحة الوطن، كأن يوافق على دخول الزراعات المعدّلة جينيّا التي ترفضها تونس.

في المقابل يؤكد النواب المؤيّدون لمشروع القانون الذي يُعرف أيضا باسم “قانون الطوارئ الاقتصادية”، والمدافعون تحديدا عن الفصل العاشر منه أن بإمكانه إلغاء التعقيدات الإدارية وبالتالي يسهّل على المستثمرين الحصول على رخص لمشاريعهم في أقرب الآجال.

وكانت الحكومة قد أحالت أول شهر سبتمبر المنقضي، على مكتب مجلس نواب الشعب قانون دفع النمو الاقتصادي على اعتبار أنه ضمن الأحكام الاستثنائية التي سيتمّ العمل بها 3 سنوات فقط من تاريخ صدورها بالرائد الرسمي.

وجاء في وثيقة شرح أسباب مشروع القانون عدد 66/2016 أنه يهدف إلى تمكين الأشخاص العموميين من إبرام عقود لزمات وعقود شراكة بين القطاعين العام والخاص لإنجاز مشاريع ذات أهمية وطنية من خلال التفاوض المباشر بينهما.

وقررت لجنة المالية والتخطيط والتنمية داخل البرلمان تأجيل النظر في قانون دفع النمو الاقتصادي بسبب وجود العديد من النقاط الخلافية التي ستحول دون تمريره، وقد أقرّت منظمة اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية برئاسة وداد بوشمّاوي بأن هذا القانون مخالف لتصورها، لكن الحكومة تتمسك بضرورة المصادقة عليه بتعلّة دفع النموّ الاقتصادي والتخلّص من الإجراءات البيروقراطية التي تعيق إنجاز المشاريع.

وقبل عقد الدورة البرلمانية الاستثنائية التي بدأت في 6 سبتمبر الماضي وانتهت في الـ30 من الشهر نفسه ظهرت بوادر خلاف بين النهضة والشاهد بخصوص مشاريع القوانين العالقة والواجب إكمالها خلال هذه الدورة؛ فالنهضة تؤكد أن من بين القوانين الملحة قانون الانتخابات وتعديل النظام الداخلي للبرلمان وقانون الاستثمار، في حين دعا رئيس الحكومة إلى إعطاء الأولوية لمشروع قانون إسناد منافع لفائدة عائلات شهداء المؤسستين الأمنية والعسكرية ومشروع قانون الاستثمار وآخر يتعلق بإسناد جوازات السفر، فضلا عن عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتوفير الماء الصالح للشرب.

وتعتبر كل من حركتي النهضة ونداء تونس الدورة البرلمانية الاستثنائية مهمة لمساندة حكومة الوحدة وذلك بالمصادقة على مجموعة من القوانين العاجلة التي ستسهّل عمل الحكومة. لكن يبدو أن تضارب المصالح داخل الائتلاف الحاكم سيعطل تمرير العديد من مشاريع القوانين من بينها قانون مجلة الاستثمار.

ولا يرتبط قانون مجلة الاستثمار الذي لا يحظى بإجماع أغلب الكتل البرلمانية، بالتزامات وطنية فقط بل يرتبط أيضا بالتزامات دولية تعهدت بها الحكومة السابقة برئاسة الحبيب الصيد وهو ما دفع النهضة والنداء، خاصة بعد تشكيل حكومة الوحدة، إلى المطالبة بتسريع المصادقة على القانون فقط للدعاية لصالح هذه الحكومة لدى الجهات المانحة.

وأثبتت حكومة يوسف الشاهد أنها حكومة مصالح متضاربة وليست حكومة وحدة وطنية بمقدورها أن تعالج الملفات الحارقة وتنهض بتونس الغارقة في أزماتها؛ فمشاريع القوانين المطروحة والنقاشات التي تدور حولها كشفت أن السند البرلماني كما السياسي لهذه الحكومة غائب.

4