تونس: زمن الاختبارات العسيرة

الجمعة 2016/12/09

تتباعد التحاليل للمشهد التونسي حتى تبلغ التناقض والتعارض مما يزيد في التباسه لدى الرأي العام يوما بعد آخر. ولهذا التناقض والتعارض والالتباس مبرراته، فهو يتعلق بمراجع ملتبسة غامضة قد تكون دلالاتها علامات على أحد حدّين؛ إما أنها تدل على عاصفة وشيكة، وإما أنها قرائن صحية على مخاض ضروري يدل على الحياة الحارة التي تعتمل صلب المجتمع التونسي.

لا بد من التذكير بأن المشهد السياسي القائم في تونس اليوم تشكّل أغلبه بعد توقيع اتفاق قرطاج يوم 13 يوليو 2016 بين أحزاب الائتلاف الحاكم ومنظمات وطنية وازنة برعاية رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي. وعماد هذا الاتفاق هو إزاحة رئيس الحكومة الحبيب الصيد واستبداله بوزير الشؤون المحلية في حكومته يوسف الشاهد.

منطلق الاتفاق هو التقييم السلبي جدا للأوضاع في تونس بعبارة رئيس الجمهورية. والغاية المعلنة منه هي توسيع دائرة الحكم ليشمل أحزابا أخرى ومنظمات كبرى، لا سيما الاتحاد العام التونسي للشغل، بحثا عن الوفاق الوطني، وضمانا لأسباب النجاح للحكومة الجديدة لتعمل على تحقيق التنمية والعدالة بمختلف وجوهها، وعلى محاربة الفساد والتهرب الضريبي.

مرّت الحكومة بجملة من الاختبارات تجاوزت بعضها بعسر شديد، ومازال بعضها في إطار التداول والنقاش مثل ميزانية وقانون المالية لسنة 2017. فيما تركت اختبارات أخرى حيرة عميقة حتى لدى أعضاء الحكومة أنفسهم، لا سيما ما تعلق منها بواقع القضاء التونسي اليوم وعلاقته بمفهوم العدل، وبتحقيق العدالة المجردة من الخلفيات السياسية والحزبية والأيديولوجية.

من الاختبارات التي تجاوزتها الحكومة بعسر شديد ذاك المتعلق بقرارها الأحادي الجانب القاضي بتأجيل صرف الزيادات المقررة للوظيفة العمومية والمضمنة في اتفاق ممضى بين الحكومة والاتحاد في سبتمبر 2015، والصادر في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية. فلقد جرّبت حكومة الشاهد معنى ملاعبة اتحاد الشغل بثقله الاجتماعي في تونس وبصورته العالمية لا سيما بعد نيله جائزة نوبل للسلام لسنة 2015 ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني.

وانتهى الموضوع على غير خير كثير، إذ أنّه خلّف في التونسيين خوفا من إضراب عام ألغي في اللحظات الأخيرة بفضل وعي النقابيين وحرصهم على أمن تونس واستقرارها، وبفضل الحنكة والتدبير اللذين تمتع بهما الوزيران النقابيان في حكومة الشاهد عبيد البريكي ومحمد الطرابلسي.

كما ترك هذا الاختبار انطباعا لدى الاتحاد بأن حكومة الشاهد تخفي له مفاجآت في الطريق حول ملفات أخرى كبرى، مثل موضوع الصناديق الاجتماعية والسلم الضريبي والعدالة الجبائية والمؤسسات العمومية والقطاع العام وغيرها.

ولكن الاتفاق الممضى بين الحكومة واتحاد الشغل في اللحظات الأخيرة قبل الإضراب العام الذي كان مقررا ليوم 8 ديسمبر، والذي كان تعامل رئيس الحكومة معه باردا جدا ولم يعره اهتماما أوحى بأن الحوار هو السبيل الأول والأخير للخروج من الأزمات ومتى كان الاتحاد طرفا في الحوار فإن الحل ممكن دائما. وهذا ما يزيد من ثقة التونسيين في الاتحاد واطمئنانهم له.

من الاختبارات العسيرة للحكومة التونسية التي مازالت في طور النقاش ميزانية الدولة وقانون المالية 2017. ومن الغرائب التي يعاينها الرأي العام في تونس ولا يجد لها تفسيرا ما تلقاه فصول هذا القانون من نقاش حادّ يصل حدّ التشكيك حتى من قبل نواب الائتلاف الحاكم، لا سيما من حزبي نداء تونس والنهضة، بما يحمل المتابع على توقّع إسقاط بعض الفصول أو المطالبة بتعديلها.

وكان هذا شأن مناقشة ميزانية مجلس نوّاب الشعب ورئاسة الجمهورية ووزارة التربية والهيئة الوطنية للحقيقة والكرامة مثلا. ولكن في النهاية تتم المصادقة على هذه الميزانيات وبأغلبية ساحقة. وهو ما يحمل على التساؤل لماذا لا تنسجم مداخلات النواب وآراؤهم مع قرار التصويت الذي يتخذونه؟ وهل هناك متابعة من قبل الحكومة لما يدور من نقاشات وللملاحظات التي ترد على ألسنة النواب والتي يبلغ بعضها الاتهام بالتقصير وبالتواطؤ مع الفساد وبتضارب المصالح وباستغلال الوظيفة أو المنصب للمحاباة وبسوء التصرف؟

من الاختبارات المحيّرة للرأي العام في تونس ما تعلق بالقضاء التونسي الذي أصدر أحكاما غريبة لا يتماشى كثير منها مع محتوى القضايا المنشورة أمامه. من ذلك الحكم بعدم سماع الدعوى على المتهمين بسحل الشهيد لطفي نقض وتعنيفه حتى الموت. كذلك الحكم بأربع عشرة سنة سجنا الصادر في حق مجموعة من الشباب تظاهروا أمام مقرّ حركة النهضة في جهة قليبية احتجاجا على اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فبراير 2013.

كما أصدر القضاء التونسي أحكاما صادمة أخرى كإيداع مجموعة من الشباب المعطل عن العمل من خريجي الجامعات السجن بقابس إثر احتجاجهم السلمي للمطالبة بحقهم في الشغل، واتخاذ قرار إيداع حقوقيين من نشطاء المجتمع المدني مثل الناشطين وليد زروق وعصام الدردوري لإعلامهما بقضايا فساد وبملفات حول الأمن الموازي وحول اختراق وزارتي الداخلية والعدل من قبل حركة النهضة.

واضح أن الأحكام الصادمة للرأي العام أغلبها موجه ضد ناشطين أو محتجين ضد حركة النهضة وحليفها حزب المؤتمر. والقضايا تعود إلى زمن حكم الترويكا الذي قادته حركة النهضة. وهو ما يدل على أن هذه الأحكام تحمل روحا انتقامية عقابية من جهة، وعلى أن القضاء وقع اختراقه بطريقة محكمة في استغلال لمبدأ استقلال القضاء.

وهذا يقرّ به حتى وزراء في حكومة الشاهد مثل وزير الفلاحة سمير الطيب الذي أكد في ندوة حول اليسار والحكم، التأمت الأسبوع الفارط بالعاصمة تونس، على أنه ومجموعة من الوزراء محرجون من هذه الأحكام، وأنه حين يسألون وزير العدل يجدون عنده نفس الانطباع ولكنه يجيبهم بأنه مكبل بالدستور الذي ينص على استقلال القضاء.

من الاختبارات المحيّرة أيضا تلك المتصلة بالإرهابيين التونسيين في بؤر التوتر من خلال تصريح رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي حول الموضوع، حيث أعلن أن السجون التونسية غير قادرة على استيعابهم. طبعا هؤلاء الإرهابيون لا يؤمنون بالدستور ولا بالمواطنة ولا بالمدنية ووجودهم في الخارج وراءه جرائم تجنيد وتسفير. وهم مجبولون على القتل والتفجير. وعودتهم إلى تونس ستنهي المسار الانتقالي السلمي وستقضي على مدنية الدولة وستحيي في أتباع الإسلام السياسي في تونس، أحزابا وجمعيات، نوازعهم الإخوانية والسلفية العنفية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8