تونس: زمن التوافقات وعشق الاصطدام بالحائط

إيحاءات النهضة والنداء لا تشير بوجوب إرجاء التعديل الوزاري إلى ما بعد الانتخابات البلدية، سوى إلى مواصلتهما السير في نهج تعويم أزمة الحكم وأزمة الائتلاف الحاكم.
الجمعة 2018/03/16
ضعف أداء حكومة يوسف الشاهد

أقرّ الموقعون على وثيقة اتفاق قرطاج (وثيقة أولويات الحكومة في تونس) وفي مقدمتهم الرئيس الباجي قائد السبسي الباعث الأصلي لمبادرة حكومة الوحدة الوطنية منذ شهر مايو 2016 بضعف أداء حكومة يوسف الشاهد وعدم التزامها بتطبيق ما اتفق عليه في الوثيقة المرجعية المتضمنة لأولويات المرحلة، لكن دون القيام في المقابل بعملية تقييم موضوعي لعمق الأزمة السياسية التي ما انفكت تُهدد الاستقرار السياسي بالبلاد منذ تحالف حزبي نداء تونس وحركة النهضة الإسلامية في الحكم غداة انتخابات عام 2014، ودون الغوص في تحديد مسؤوليات ونصيب حزبي الحكم من الفشل على جميع المستويات.

فتعدد القراءات والتحليلات السياسية لمخرجات اجتماع الموقعين على وثيقة قرطاج وعلى رأسها العمل على تحيين الوثيقة المرجعية للحكومة وتحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للفترة القادمة، ومن ثم النظر في  تكليف الشخص الذي يكون قادرا على تنفيذها، لا يمكن أن تحجب حقيقة مفادها أن حزبي نداء تونس وحركة النهضة تلقفا بلهفة هدية الاتحاد العام التونسي للشغل للحسم بصفة تبدو نهائية لمصير رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد.

ورغم عدم وضوح حزبي الحكم في توجهاتهما عبر تصريحات قيادتهما الغامضة عقب اجتماع قصر قرطاج الذي كان بإشراف من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، فإن رسائلهما المبطنة والموجهة ليوسف الشاهد لا تخرج أبدا في مقاصدها عن تعمدهما مخاطبة رئيس الحكومة بألغاز وكلمات مشفّرة فحواها “لاشيء يُثبت أنّك حي ولاشيء يثبت أّنك ميت، لكن ستبقى إلى حين وتغادر بعد حين”.

ولئن تُجمع كل أطياف الطبقة السياسية في تونس، حُكما ومعارضة، على أنّ حصيلة ما يُعرف بحكومة الوحدة الوطنية كانت هزيلة وسيّئة على جميع المستويات، وخاصة في الملفين الاقتصادي والاجتماعي، فإنه من المُفارقات أن نجد حزبي النهضة والنداء يتفصّيان مجددا من مسؤولياتهما السياسية رغم علمهما المسبق والمؤكد بأنه في عالم السياسة لا يمكن لأي حكومة ضعيفة الإسناد سياسيا وحزبيا، أن تصمد أمام ثقل وحجم المنظمات الوطنية كالاتحاد العام التونسي للشغل أو منظمة أرباب العمل أو أمام المطالب الاجتماعية الملحّة.

ساسة تونس وخصوصا حكامها مازالوا في مرحلة الرهان على نظرية التشبث بمواصلة الخطأ والبحث عن كبش فداء يجدون فيه ضالتهم لإقناع الرأي العام بمسكنات ومهدّئات لن تُفضي إلى حل الأزمة

ولا تشير كل إيحاءات النهضة والنداء بوجوب إرجاء التعديل الوزاري -الذي تحوّل ضمن تصوراتهما بقدرة قادر في زمن قياسي من جزئي إلى عميق- إلى فترة ما بعد الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في مايو المقبل، سوى إلى مواصلتهما السير في نهج تعويم أزمة الحكم وأزمة الائتلاف الحاكم الذي ثبت عجزه في إدارة شؤون البلاد وإخفاقه في إيجاد حلول للملفين الاقتصادي والاجتماعي.

ومن دلائل تعمد حزبي “التوافق” اعتماد نفس الطريقة التي أجبرا بها سابقا رئيس الحكومة الحبيب الصيد في آخر لحظة على الرحيل والاستقالة، أن زعيميهما راشد الغنوشي وحافظ قائد السبسي بدا كل منهما قبل اجتماع قصر قرطاج وبعده مُستغربين بل ومتفاجئين من ضُعف الأداء الحكومي وعجز جل الوزراء عن تقديم نتائج تكون قادرة على إخراج البلاد من أزمتها الخانقة، ليُوحيا بأن حزبيهما بريئين ولا يتحملان مسؤولية الخيارات والتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاشلة.

ومن المفارقات الغريبة التي ميزت كل أحزاب الحكم في فترة ما بعد ثورة يناير 2011 هو عشقها اللامتناهي لدفن الرأس في الرمل كالنعامة عبر التضحية بالحكومات وبرؤسائها، رغم إدراكها ويقينها التام بأن سياساتها وبرامجها الضعيفة هي المسؤولة الأولى عن الفشل أو النجاح فيها، وبأن التغيير سيكون فقط بغاية التغيير لذرّ الرماد في العيون.

وقد يكون اجتماع قرطاج وبتزكية من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واتحاد الشغل ومنظمة أرباب العمل قد أنهى وبلا رجعة حكومة الشاهد، ولم يمهلها متنفسا إضافيا علّها تصلح ما يمكن إصلاحه، لكنه في الوقت نفسه أسعف مرة أخرى وفق كل الملاحظين مُهندسَي الائتلاف الحاكم ومنحهما فرصة جديدة لمواصلة التعامل مع الأزمة السياسية بعبث وبمنطق إطفاء الحرائق، وليس بوازع البحث عن بدائل ناجعة تكون قادرة على إنقاذ البلاد من شبح الهاوية.

كل هذه الإرهاصات تدل أيضا على أن تونس التائقة إلى التدرب أكثر على الديمقراطية وآلياتها مازالت حُبلى بأحزاب هاوية لا تضع في أولويات خياراتها وسياساتها سوى هواجس التموقع والتمترس في السلطة بكل الطرق والوسائل، رغم إدراكها بأنها سائرة لا محالة نحو الاصطدام بحائط الفشل.

وتكرر سيناريو التضحية بالحكومات وإقالة أعضائها ورؤسائها المرشح للارتفاع إلى عشر حكومات في ثماني سنوات فقط، إن تم التخلي عن يوسف الشاهد، يؤكد مجددا أن ساسة تونس وخصوصا حكامها مازالوا في مرحلة الرهان على نظرية التشبث بمواصلة الخطأ والبحث عن كبش فداء يجدون فيه ضالتهم لإقناع الرأي العام بمسكنات ومهدّئات لن تُفضي إلى حل الأزمة في عُمقها.

ورغم أن كل الاحتمالات والفرضيات تبقى ممكنة إلى حين الاجتماع القادم للموقعين على وثيقة قرطاج، فإنه على الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد والموجهة بوصلتها فقط  للانتخابات القادمة أن تدرك حقيقة مفادها أن أعتى الديمقراطيات في العالم لم تنجح ولم تصل إلى ما وصلت إليه من نضج سوى عبر توخيها لدى اندلاع الأزمات منطق معالجة الصدمة بالصدمة أو الاحتكام إلى رجة قائمة أساسا على ثنائية الهدم وإعادة البناء، وليس الاستيعاب والتقييم ومواصلة البناء على نفس الخطأ خدمة للرهانات الانتخابية القادمة.

12