تونس سنة رابعة ثورة: بداية تشكل ثقافة ديمقراطية

الأربعاء 2015/01/14
تونس تعيش حالة ثورية تحررية

تونس – كادت تونس أن تنهار في سنة 2013 لكنها قطعت خطوات كبيرة في سنة 2014، وقد صادقت على دستور توافقي ونظمت انتخابات برلمانية ورئاسية ناجحة عبرت على إثرهما بـ”أمان” إلى سنة 2015، التي من المنتظر أن تكون سنة جني ثمار هذا التقدّم في عملية الانتقال الديمقراطي.

في مثل هذا اليوم، قبل أربع سنوات، فاجأ التونسيون أنفسهم قبل العالم، بأن تجمّعوا لأول مرة ودون خوف أمام أعتى مكان في تونس ونجحوا في إسقاط نظام حكمهم 23 سنة بقبضة من حديد وكانت سابقة في الوطن العربي. ورغم أن شرارتها انتشرت في دول عربية أخرى، إلا أن النموذج التونسي ظلّ الاستثناء فيما سمي لاحقا بدول “الربيع العربي”.

بعد الثورة شهدت تونس احتجاجات واسعة على إثر مقتل شخصيتين بارزتين من المعارضة، وهما شكري بلعيد ومحمد براهيمي، كما شهدت هجمات من مجموعات جهادية، الأمر الذي دفع الجيش لإطلاق حملة واسعة لمواجهة هذه الجماعات، خاصة في منطقة جبل الشعانبي على الحدود الجزائرية. وبعدها أعلنت الحكومة أن حركة أنصار الشريعة السلفية جماعة محظورة لصلاتها بتنظيم القاعدة.

لم يكن ثمن الحريّة زهيدا، بل باهضا جدّا، لدرجة أن وصل الأمر ببعض التونسيين إلى أن “ندموا” على خروجهم يوم 14 يناير 2014. لكن اليوم، وهم يحتفلون بالذكرى الرابعة لثورتهم الشعبية، يحدوهم أمل كبير في تلافي أخطاء السنوات الماضية وتجاوز آلامها ومحنها. ووفق المختص في علم الاجتماع ومدير المرصد الوطني للشباب محمد الجويلي، لا زالت تونس تعيش، ما يسمى بـ”الحالة الثورية التي تفرز حالات ذهاب بعيدة في تحقيق أهداف الثورة مثلما تفرز خطوات إلى الوراء وهي حالة ديناميكية تعزز الحالة الثورية”.

ولاحظ أن الوضع هو إفراز للديناميكية التي تعيشها كل مكونات المجتمع، متحدثا في هذا الخصوص عن وجه إيجابي ثان للحالة الثورية، حيث قال: “في الماضي كنا نعيش أمام مرجع واحد للحقيقة أما الآن فنحن أمام مرجعيات مختلفة متصادمة ومتنازعة وهذا في حد ذاته على غاية من الأهمية”.

وأفرزت الحالة الثورية حسب باحثين اجتماعيين “بداية تشكل ثقافة ديمقراطية نلاحظها في بعض المؤسسات الشرعية ولكنها لا تزال تخطو خطواتها الأولى في كل مؤسسات المجتمع المدني”. وقد أفرزت بداية عملية البناء وإرساء الديمقراطية ظواهر جديدة أهمها، التحول من ديكتاتورية نظام سياسي إلى دكتاتورية مجتمع، وهو ما يلاحظ أساسا في شكل الاعتصامات والاحتجاجات والتعديات المختلفة على الفضاء العام والإدارة وغيرها وما يعتبر “تغولا للمجتمع على حساب الدولة”، وفي هذا الإطار دعا الجويلي المجتمع المدني إلى أن يضطلع بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع لإرجاع التوازن وتعديل مسارات التصادم بينهما، حتى لا تسقط البلاد في الفوضى.

مهمة الحكومة التونسية صعبة في المرحلة القادمة في بلد يشكو من هشاشة أمنية وتراجع في نموه الاقتصادي

يدرك التونسيون اليوم، وهم يحيون الذكرى الرابعة لثورة 14 يناير 2011، أنهم ما زلوا بعيدين عن تحقيق أهداف الثورة، لكن تونس على الطريق الصحيح. ويعلمون جيّدا أن التوترات بين العلمانيين والإسلاميين والتهديدات الأمنية المتأتية من المجموعات المتشدّدة ستتواصل، لكن ذلك لن يمنع تونس من أن تبدأ التركيز على المواضيع الاجتماعية والاقتصادية الأساسية التي كانت وراء اندلاع الثورة الشعبية في 14 يناير 2011.


ما هي أولى التحديات؟


مخلفات سنوات طويلة من التهميش واللامركزية والبطالة والإقصاء الاجتماعي والتجارب التنموية الفاشلة تجعل التنمية الجهوية من أكثر الملفات المستعجلة أمام الحكومة التونسية القادمة.

خلق التوزيع غير العادل للميزانية بين المحافظات التونسية نوعا من “الحقد” الاجتماعي بين هذه المناطق وطفت على السطح ظاهرة “الجهويات”، التي ترسّخت أكثر بعد الثورة، فكل جهة ترى أنها أحق من غيرها بالتشغيل والتنمية، فأهالي سيدي بوزيد مثلا يعتبرون أنفسهم أحق لأن مدينتهم كانت مهد الثورة. أما أهالي الشمال الغربي فإنهم يعتبرون أنفسهم الأكثر ظلما لأن نسبة الفقر عندهم أكبر.

يرى خبراء أن مهمة الرئيس التونسي الجديد الباجي قايد السبسي ستكون صعبة في المرحلة القادمة في بلد يشكو من هشاشة أمنية وتراجع في نمو الاقتصاد وغلاء في الأسعار وارتفاع في نسب البطالة والفقر. وقد انعكس التدهور الأمني الذي عرفته البلاد سلبا على الاقتصاد التونسي إذ عرفت تونس أيضا تراجعا مدويا لمؤشراتها الاقتصادية، ومع ذلك يظل الشارع التونسي يتطلع إلى فترة استقرار سياسي قد تجلب للبلاد إمكانيات الخروج مما عاشت على وقعه من أزمات أمنية خلفت تراجع المقدرة الشرائية للمواطن ورفعت من نسبة البطالة التي بلغت 15 بالمئة.

واليوم، يستعد التونسيون لاستقبال حكومة جديدة، مدّتها خمس سنوات، وتوديع فترة انتقالية عرفت هزات متلاحقة، لذلك يتطلع الجميع إلى ما تقدم به الفائزون في انتخابات تونس البرلمانية والرئاسية من وعود بتوفير مقوّمات الحياة الكريمة من تشغيل وإيجاد مواطن عمل لمئات الآلاف من الشباب المعطل عن العمل ولكن خاصة وبشكل مستعجل التخفيض من أسعار المواد الاستهلاكية التي عرفت في السنوات الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق.

صحيح أن الانتقال السياسي في تونس تم بهدوء تحسدها عليه دول الجوار ودول الربيع ‏العربي الملتهب، وصحيح أن تونس عاشت مرحلة مشجعة من التجربة الديموقراطية، لكن ‏يتعين عليها أن تتبنى برنامجا إصلاحيا تنمويا أكثر طموحا من أجل إتمام ثورتها وتلبية تطلعات شعبها وجني ثمار الديمقراطية. ولتجنب حدوث أزمة تحتاج تونس إلى إعادة هيكلة مؤسساتها بهدف معالجة موضع الضعف والإخفاقات التي ترسخت خلال فترات الحكم الماضي.


هل يمكن القطع مع الماضي؟


بعد 11 يناير 2014 وسقوط النظام، توالت الأحداث بسرعة وسخونة في تونس عبر هذه السنوات الأربع، فتم انتخاب المجلس التأسيسي، وفازت حركة النهضة الإسلامية بـ89 مقعدا في هذا المجلس من 217 مقعدا، وشكلت حكومة لحكم البلاد، بالاشتراك مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، بزعامة المنصف المرزوقي، الذي تولى رئاسة الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بزعامة مصطفى بن جعفر، الذي تولى رئاسة المجلس التأسيسي.

فشلت حكومة الترويكا في التسيير اقتصاديا وأمنيا، ودخلت البلاد فترة من عدم الاستقرار سيطرت فيها الاحتجاجات والمواجهات، حتى تمكن السياسيون التونسيون من التوصل إلى توافق لتشكيل حكومة مستقلة بقيادة مهدي جمعة، لتولى الحكم بدلا من حكومة علي العريض. بعد ذلك دخلت البلاد مرحلة أخرى، أكثر استقرارا مقارنة بسابقتها، رغم تواصل العلميات الإرهابية ضد الجنود ورجال الأمن.

وعلى الرغم من الأزمة السياسية والاضطرابات الاجتماعية والأمنية، لم يتوقف مسار الانتقال الديمقراطي في تونس التي أقرّت مطلع 2014 دستورا وصف بأنه الأكثر تقدمية في الدول العربية. وانتهى الأمر بانتخابات برلمانية ورئاسية فاز فيها حزب نداء تونس، بأغلبية مقاعد البرلمان، وفاز زعيمه الباجي قائد السبسي برئاسة البلاد.

يذهب كثير من الخبراء في تونس إلى أن إمكانات الخارطة السياسية التونسية لا تسمح بالذهاب إلى الأقصى في ثورة جذرية بعد انقسام معارضي النظام السابق من شيوعيين وقوميين وإسلاميين على بعضهم وبقاء المنظومة القديمة مكتنزة كل عوامل القوة المالية والإدارية والإعلامية.

ويذهب الخبراء أيضا إلى أن ما يمكن اعتبارهم رموز النظام القديم قد أيقنوا أنه لا يمكن أبدا العودة إلى المربع الأول وإعادة صياغة مشهد شبيه بما قبل الثورة حيث يحكم حزب واحد كامل المؤسسات، ومن هنا جاءت إمكانية التلاقي والتعايش.

الدولة التونسية مطالبة بتبني برنامج إصلاحي تنموي طموح وجريء من أجل تلبية تطلعات شعبها وجني ثمار الديمقراطية

وقد يكون اختيار “الحبيب الصيد” الذي لا يحمل رسميا أية صفة قيادية في الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية والرئاسية رغم عمله مع الإدارة السابقة رسالة من مؤسس حزب حركة نداء تونس الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي أن تونس في حاجة إلى توليفة سياسية تقطع مع الماضي مع الاحتفاظ بإيجابياته (وجود إدارة ثابتة ومكتسبات قانونية لفائدة المرأة ومنظومة تعليمية عصرية رغم ما يعتريها من مشاكل…) وتنفتح على القوى الجديدة وخاصة تلك التي لها ثقل في المجتمع.

ربما تكون هذه المآلات نتيجة قراءة “متعقلة” لدى مختلف الأطراف للعواصف السياسية والمجتمعية التي تهب على كامل المنطقة وخاصة تلك البلدان التي أزهرت فيها إلى حين “زنابق الربيع العربي” ثم ما لبثت أن ذبلت، قراءة تريد تجنيب تونس إرباكات لا طاقة لها على تحملها مثل الحروب الأهلية والاضطرابات الاجتماعية.

إذن يتجه المشهد حاليا إلى نوع من التعايش الحذر بين القديم والجديد رغم الأصوات المرتفعة من هذا الجانب أو ذاك سواء تلك المنادية “بعدم خيانة أهداف الثورة والحسم في المنظومة القديمة” من قبل من يحسبون على قوى الثورة، أو تلك المنادية بتحييد الترويكا وإبعادها عن المشهد السياسي الحالي و”حشرها في زاوية المعارضة” من جانب القوى التي تنعت في تونس بـ”قوى الماضي الاستئصالية”. فهل ستصدّق التطورات إمكانية إنجاز تحول ديمقراطي دائم عبر “خلطة” عجيبة بين القديم والجديد أم سيكون التعايش محطة لاتجاه آخر لتطور الأوضاع في تونس؟ سؤال سيجيب عنه دفتر أحوال العام الجديد.

7