تونس سنة 2017: الآمال والمخاطر

الجمعة 2016/12/30

يتأهّب التونسيّون لاستقبال سنة 2017 وهم يحملون آمالا كبيرة في تجاوز أوضاعهم الصعبة. ولكن المخاطر المحدقة بهم تكاد تحوّل آمالهم إلى سراب يُرى ولا يدرَك. يأمل التونسيون أن ينتهي كابوس الإرهاب، وأن يشرعوا في بناء جمهوريتهم الثانية العادلة، الآمنة، المستقرّة، التي تضمن كرامة مواطنيها ويعلو فيها القانون ودولة المؤسسات.

يأمل التونسيّون أن تجد دولتهم السبيل الصحيح الذي يوقف تدحرج الفئات الاجتماعية نحو اليـأس وفقدان الأمل. الشعب التونسي لم يعد قادرا على تحمل الواقع القائم على التفاوت أمام القانون والظلم الجبائي والثراء المشبوه والفقر الزاحف على الفئات المتوسطة يغرقها في العجز عن مجابهة أعباء الحياة مما يضطرّها إلى السقوط في دوامة المديونية، ويلقي بظلاله على أطفال هذه الفئات فيدفعهم إلى الفشل المدرسي، ثم الانقطاع عن الدراسة فالانحراف فالوقوع في الجريمة، أو بين مخالب الإرهاب.

يتمنى التونسيون أن يروا دولتهم وقد فهمت أخيرا معنى الحكم الذي لا يعني مجاراة الواقع ومسايرته ظرفيا، وإنما يعني أن تكون دولة مبدعة تحرّك في شعبها أحلامه الثورية التي صدحت بها حناجره منذ 6 سنوات وتمنحه الأمل وتبعث فيه الفرح والإقبال على الحياة والعمل. يريدونها دولة تمتلك رؤية استشرافية تؤسس لبدائل حقيقية تحل مشكلات 700 ألف عاطل عن العمل من جملة 4 ملايين مواطن ناشط، وتوقف الانجرار إلى الأزمات.

يتمنى التونسيون ألّا يروا منتوجاتهم الزراعية، خاصة من الدواجن والتمور والقوارص، تتعفن أو تلقى في الأودية بسبب العجز عن تسويقها. فالدولة التونسية ليست فقط عاجزة عن إنتاج الثروة، بل صارت عاجزة عن تثمين الثروات التي ينتجها مواطنوها بكدهم وعرقهم، والحفاظ عليها. فهم يعملون ودولتهم تبدّد وتضيّع منتوجاتهم بضيق أفقها الدبلوماسي وعجزها التجاري. فيستفيد المضاربون والمحتكرون والوسطاء، أمّا الفلاحون والدولة فخاسرون جميعا. لم تنجح الدولة التونسية في تغيير العقيدة الدبلوماسية نحو دبلوماسية ديناميكية متحركة تفتح الأبواب المواربة، وتنفس الاقتصاد الوطني بفتح أسواق جديدة تستوعب الفائض في الإنتاج بما يعود بالفائدة على الفلاحين وعلى الدولة نفسها.

الدولة التونسية استكانت للتداين لتصريف شأنها اليومي وتأجير موظفيها ومسؤوليها. وتركت الشعب التونسي لآماله تحرقه وتتهاوى أمام مصائبه اليومية التي تزداد وطأة بحوادث مدوية تنفجر بين الفينة والأخرى، كحادثة الاغتيال المهينة للمهندس محمد الزواري في صفاقس بالتزامن مع حادث غرق مركب للصيادين في المهدية أودى بحياة 13 منهم.

تنضاف إلى هذا كله حوادث المرور المروعة التي تحصد حياة التونسيين مثل حادث خمودة بمحافظة القصرين في سبتمبر الماضي الذي قضى فيه 18 تونسيا، وحادث القطار في جبل الجلود بالعاصمة مطلع هذا الأسبوع وراح ضحيته 5 قتلى والعشرات من الجرحى. علما أن عدد ضحايا المرور خلال النصف الأول من سنة 2016 قد تجاوز 600 قتيل، فيما قتل حوالي 1400 تونسي في حوادث المرور سنة 2015.

وفي هذه الحوادث جميعا يعاين التونسيون عجز الدولة عن تقديم تفسير واضح لاغتيال المهندس التونسي أمام بيته من قبل جهات أجنبية لم تتمكن الدولة من تحديدها بدقة إلى حدّ الآن. كما يعاينون تهاون الدولة مع سلامتهم المرورية من خلال عدم الشروع في تغيير ثوري للبنية التحتية يقي التونسيين في الطرقات ويحميهم من السيول والفيضانات التي تغلبهم مهما كان حجمها ومداها.

التونسيون أيضا محبطون من وهن دولتهم أمام المظاهر الاستعراضية للإفلات من الواجبات التي تفرضها المواطنة على كل فرد، كأداء الواجب الضريبي. لم تنجح الدولة في فرض علوية القانون، ووقعت أخيرا في أسلوب الاستجداء والاسترضاء الأبوي مع الإقرار بالعجز أمام كل من يرفض السداد.

ويعاين التونسيون بحزن عميق ظاهرة الانحياز القطاعي التي غزت كل القطاعات تقريبا بما يعزز الدفاع الأعمى عن المصالح القطـاعية الضيقة، وإن كـانت مجحفة ومضرّة بالدولة والمجتمع. وتتعمّق هذه الظاهرة الغريبة في قطاعات التعليم والقضاء والمهن الحرة كالمحاماة والطب والمحاسبة وغيرها.

ظاهرة الانحياز القطاعي تتعارض مع قيم المواطنة والمدنية الاجتماعية القائمة على التشارك والتنازل والتبادل والتضحية. وهي تكشف عن تغلغل سلوك الأنانية وحبّ الذات بين التونسيين. وهي علامات مرَضية خطيرة خرجت من حدود الأفراد، لتغمر قطاعات مهنية واسعة بما يكشف عن خلل نفسي اجتماعي خطير يهدد المجتمع التونسي بأسره بالانفصام.

يأمل التونسيون أن يتعافى مجتمعهم من هذه الظواهر السلبية الخطيرة التي تبدّد طاقات الفعل الاجتماعي وتنمّي العداء الطبقي والفئوي والقطاعي، أمام عجز النخب الإبداعية عن انتشال المجتمع مما يتردّى فيه من قيم سلبية، ومن تعاد منذر بمخاطر التناحر.

وهذه المهمة ليست مطروحة على المبدعين وحدهم، بل على النخب السياسية التي نجحت فقط في تقسيم التونسيين وتنفيرهم من الشأن العام. هذا فضلا عن تعمّد السياسيين صدم التونسيين بفرض النقاش في مواضيع يفترض أن تكون محسومة لطمأنتهم مثل قضية عودة الإرهابيين القتلة إلى تونس التي أثارها الرئيس الباجي قائد السبسي، ثم حليفه رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

لقد كان التونسيون يأملون في أن يجدوا سياسييهم حاسمين حازمين في موضوع بهذه الخطورة، لا أن يطرحوه للنقاش بما يطرح إمكانية العودة، وهو ما يخيف التونسيين ويثير فزعهم ويعمق شعورهم بالخجل ويسقطهم بين براثن الانكماش والانعزال، وهم يعاينون الإساءة إلى سمعتهم بين الشعوب بسبب تزايد العمليات الإرهابية، التي ينفذها تونسيون في الداخل والخارج ويذهب ضحيتها أبرياء تونسيون وأجانب.

أما الإعلام التونسي فإنه يواصل تدحرجه نحو الابتذال والشعبوية والمتاجرة بأحزان الناس وآلامهم. فهو لا يتنافس إلا في نشر الذوق الفاسد والإنتاجات المائعة، بما يفسد على التونسيين تربية نشئهم، ويعطل الجهود التربوية للمدرسة والعائلة؛ لا حرمات في هذا الإعلام ولا مقدسات ولا ممنوعات. كل المجتمع مفتوح للنشر والتوزيع والفضح بلغة هابطة، لا هي عربية ولا أجنبية، ولا حتى عامية تونسية لائقة محترمة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8