تونس.. سير على حافة الهاوية

الجمعة 2018/01/19

لا يمكن لتونس أن تعبر مرحلة شد الحزام الشعبي إلا إذا كانت رافعات السلم الاجتماعي والاقتصادي قوية ومتينة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا كان الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة واتحاد الشغالين والفلاحين على وعي تام بضرورة تقاسم الأعباء والتنازلات، وألا تتمركز فاتورة التضحيات على طرف دون آخر.

دخلت تونس مرحلة السير على حافة الهاوية الاقتصادية، ومعها أيضا دخل اتحاد الأعراف باعتباره الشريك الأول للدولة رفقة الاتحاد العام التونسي للشغل مرحلة التقشف الشديد وهو على أتمّ الوعي والإدراك بأنّ أرباب العمل، المتوسطين على الأقل، يقفون على خط الدفاع الأخير، فلا قدرة لهم على استيعاب موجة جديدة من زيادة الضرائب والقيمة المضافة.

كلمة رئيس الحكومة يوسف الشاهد على أهميتها خلال المؤتمر الأخير لاتحاد الأعراف، والتي شدد فيها على مجهودات الدولة التونسية على توفير مناخات جديدة وملائمة للاستثمار، أكدت مقولة نفاذ الخيارات العاجلة والبدائل الفورية للدولة التونسية سواء لأرباب العمل أو للعاطلين أو للموظفين.

صحيح أنّه ليست لحكومة الشاهد حلول آنية لغلاء المعيشة وتدهور الدينار وزيادة الضرائب وارتفاع التداين، ولكن الصحيح أيضا أنها الحكومة الوحيدة التي أقرت أمام الرأي العام، بغض النظر عن طريقة الاتصال التي لا بد من مراجعتها جذريا، بمحدودية الخيارات واعترفت بضرورة إيقاف مسلكية التداين استدرارا لحلول ترقيعية تسكت الأصوات ولا تداوي الجراح العميقة للاقتصاد الوطني.

تدخل تونس مرحلة السير على حافة الهاوية الاقتصادية، ولكنها تدخلها وهي موحدة في مستوى الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين على الأقل، فمؤتمر اتحاد الأعراف الذي عقد الأسبوع الجاري أبان عن توحد تنظيمي ووحدة مطلبية وتشارك في تصور منظومة تقاسم الأعباء، وهو تقريبا ما انسحب في أشغال مؤتمر اتحاد الشغل السنة الماضية، وما أكدته الشهور التي أعقبت المؤتمر بما تضمنته من امتحانات واستحقاقات كبرى للمنظمة الشغيلة.

تمكن اتحاد الأعراف طيلة فترة سنوات الثورة من تجاوز الصورة النمطية الملتصقة به باعتباره منظمة البورجوازية الثرية والمرفهة ورأس الحربة للدفاع عن الطبقة المرفهة عبر الخضوع التام للفاعل الرسمي في مواجهة الكادحين والشغالين، ولم ينتظر طويلا لانتخاب قيادة جديدة، برئاسة وداد بوشماوي، تمكنت من المصالحة مع استحقاقات الثورة ومن مسك العصا من الوسط بين المطلبية المتنامية للشغالين عبر الزيادات في الأجور، وبين مصالح الأعراف وبين حسن التفاوض مع الحكومة واتحاد الأعراف تأمينا للسلم الاجتماعي.

ولن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن مناخ الانعتاق من الاستبداد مكن اتحاد الأعراف من التحول إلى قوة رمزية للتوافق السياسي والاجتماعي، عبر المشاركة الفعالة في الحوار الوطني سنتي 2013 و2014 والذي جنب البلاد فتنة الاحتراب، إضافة إلى دوره الإيجابي في وثيقة قرطاج.

أمام القيادة الجديدة لاتحاد الأعراف برئاسة سمير ماجول حزمة من الاستحقاقات الوطنية الكبرى، فالوضع الاجتماعي المحتقن ومناخ الاستثمار الصعب وتراجع الميزان التجاري لا تقل في شيء من حيث الوطأة والحساسية والخطورة عن 2013، ولئن كان الحوار ومن بعده وثيقة الرباعي الراعي للحوار، ترياقا للأزمة السياسية المستفحلة آنذاك، فإن حوارا اجتماعيا واسعا وتقاطعا على هدنة اقتصادية متوسطة المدى وتجميدا للأسعار وللضرائب وتأصيلا لعقد اجتماعي جديد باتت اليوم من أوكد الأولويات.

المرحلة القادمة تمثل أبرز امتحان للطبقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، فالطبقة المتوسطة تشهد حالة اندثار بطيء ومستمر، والفجوة المالية بين القطط السمينة من المتهربين جبائيا والمهربين لقوت الوطن، وبين المواطنين المفقرين والمعدمين في اتساع مطرد. ومؤشرات الاستقالة المجتمعية من هجرة شرعية وغير شرعيّة وانتحار مطلبي واضحة للعيان، والغضب الشعبي إن اختفى اليوم جزئيا فإن أشكال الغضب وتمظهرات الاحتقان كثيرة للغاية.

قد تكون بارقة الأمل الضعيف أن تونس تدخل اليوم مرحلة السير على حافة الهاوية وهي تحظى بحزام اجتماعي واقتصادي من ثلاثي اتحادات الفلاحين والشغالين وأرباب العمل، ومن مظلة محترمة من الأحزاب السياسية، ولكن إلى متى سيظل الحزام مشدودا حول خيارات الفاعل الرسمي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9