تونس.. شورى النهضة ينكث بخارطة الطريق لتجنب التصدع الداخلي

الثلاثاء 2013/10/08
مجلس شورى حركة النهضة تراجع عما أمضاه زعيمه الغنوشي أمام الملأ

تونس – تمسّك مجلس شورى حركة النهضة، بوصفه أعلى سلطة قرار داخل الحزب بعد مؤتمره العام، بـ"مواصلة الحكومة الحاليّة أعمالها حتّى انتهاء المجلس الوطني التّأسيسي من مهامّه التّأسيسيّة". وجاءت مضامين بيان مجلس شورى حركة النهضة، المنشور أمس في الموقع الرسمي للحزب الحاكم، مُخالفة تماما لخارطة الطريق التي أمضى عليها رئيس حزب النهضة راشد الغنوشي، السبت الماضي في أولى جلسات "الحوار الوطني"، في تونس.

وقد لاقت قيادة حركة النهضة يومي السبت والأحد انتقادات لاذعة جدّا من أنصارها وحلفائها، بسبب توقيعها على خارطة طريق تُلزم حرفيّا بأن "تقدّم الحكومة الحالية استقالتها وجوبا في أجل أقصاه ثلاثة أسابيع من تاريخ الجلسة الأولى للحوار الوطني". كما تقضي مبادرة رباعي المنظمات التونسيّة الراعية للحوار الوطني، بإنهاء المشاورات لاختيار شخصية وطنية مستقلة لرئاسة الحكومة الجديدة في ظرف أسبوع واحد، على أن "تتولى الشخصية المكلفة إجراء مشاوراتها لتشكيل الحكومة وإنهائها في أجل أقصاه أسبوعين".

وقد سارعت قيادة حركة النهضة، بعد أن اشتدّت الانتقادات الداخليّة من قواعدها وأنصارها وقياداتها الوسطى، بمحاولة لملمة الموضوع من خلال محاولة التنصّل من التزامها السياسي والمضيّ في تأويل مغاير لما أمضت عليه، وذلك عبر التأكيد أنّ زعيم الحركة الغنوشي إنّما وقّع على مبادرة وليس خارطة طريق مثبّتة بتفاصيلها الزمنيّة.

هذا التأويل المرتهن باعتبارات داخليّة، يمكن لكلّ من يطّلع على وثيقة خارطة الطريق الموقعة أن يكتشف بُعده المراوغ. ومع أنّه بقي موقفا غير رسميّ لاقتصار تداوله على صفحات النهضة في مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ بيان مجلس شورى حركة النهضة جعل منه موقفا رسميّا معلنا للحزب الحاكم. وهو ما يعني التراجع عن الالتزام بتنفيذ بنود خارطة الطريق وفق المواقيت والآجال المحدّدة.

ورغم الانتقادات الموجّهة إلى الحزب الحاكم في هذا المضمار، فإنّ النكث بهذا التعهّد السياسي والأخلاقي لم يكن بالأمر المستغرب، باعتبار أنّ لحركة النهضة سوابق معلنة في هذا المجال، وفي مقدّمتها التزامها الموقّع قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011، إلى جانب 11 حزبا آخر، بألاّ تتجاوز فترة إعداد المجلس الوطني التأسيسي للدستور الجديد للبلاد عاما واحدا بدءا من يوم الانتخابات.

وكان بوعلي المباركي الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يُعدّ المنظمة غير الحكوميّة الأساسيّة الراعية للحوار الوطني، قد حاول أمس التخفيف من وقع تراجع النهضة عن الالتزام الذي أمضته بتأكيد أن بيان مجلس شورى النهضة هو "شأن داخلي لا يعنينا وهو يعبّر عن مواقف موجهة إلى هياكل الحزب الداخلية". ومن جهتها اعتبرت الأمينة العامة للحزب الجمهوري ميّة الجريبي، أنّ بيان مجلس شورى حركة النهضة هو "عودة إلى النقطة الصفر"، و"تنكّر" لإمضاء رئيس الحركة راشد الغنوشي على كل ما تحتويه مبادرة الرباعي الراعي للحوار الوطني.

والمتبصّر في بيان مجلس شورى حركة النهضة يُلاحظ أنّه مفخّخ بعدّة جوانب تُبطل ما التزمت به حركة النهضة وتردف خارطة الطريق بشروط يسعى الحزب الحاكم إلى فرضها على الجميع. فقد أكّد البيان على "الحفاظ على المجلس الوطني التّأسيسي بصلاحيّاته كاملة إلى حين انتخاب مجلس تشريعيّ جديد". وهذا يعني ألاّ يتمّ حلّ المجلس بمجرّد استكماله صياغة الدستور. كما أنّ ذلك يتعارض مع محاولات المعارضة السياسيّة تحديد أشغال المجلس التأسيسي بالمهام التأسيسيّة، أيّ المتعلقة بإنهاء صياغة الدستور والمصادقة على القانون الانتخابي واستكمال إحداث "الهيئة المستقلة العليا للانتخابات" المطعون فيها.

والجدير بالملاحظة في هذا الصدد أنّ نصّ خارطة الطريق قد تغافل عن هذه النقطة أساسا، أي مسألة تحديد فترة ولاية المجلس التأسيسي، لأنّ هذه الخارطة لم تحدّد سوى مدّة إنجاز كلّ خطوة فحسب. وضمن الشروط الأخرى التي أدرجها مجلس شورى حركة النهضة في بيانه، حيث طالب بـ"التزام كلّ الأطراف بهدنة اجتماعية توفيرًا لأجواء الاستقرار في البلاد وضمانة لنجاح الحوار". وهي رسالة مزدوجة وتبدو، في الآن ذاته، رسالة طمأنة موجّهة إلى أنصار حركة النهضة بكونها لم تسقط في فخّ المنظمة الكبرى الراعية للحوار الوطني المتمثلة في "الاتحاد العام التونسي للشغل" وإنّما في يدها أن تمارس على اتحاد النقابات ما عنّ لها من ضغوط، وهي كذلك رسالة تحذير موجّهة إلى اتّحاد الشغل نفسه بأنّ عليه التخلّي عن خيار تحريك الشارع وشنّ إضرابات عن العمل في كافّة القطاعات.

وفي هذا الاتّجاه، كان حمّادي الجبالي رئيس الحكومة السابق والأمين العام لحركة النهضة قد اعترف بأنّ خارطة الطريق التي وقّعتها حركة النهضة تقضي بـ"استقالة الحكومة في ظرف ثلاثة أسابيع وجوبا"، قائلا، عقب الجلسة الأولى للحوار الوطني، إنّ ذلك "يكون طبيعيّا جدّا على أن يكون العمل التأسيسي وجوبيّا أيضا"، مؤكّدا أنّ "الضمانات هي التزام متبادل". وهو يعي طبعا ما يقول، حين يتحدّث عن التزامات الأطراف الراعية والأحزاب المعارضة، دون أن يُحدّد طبيعتها وكنهها.

وإجمالا فإنّ تراجع النهضة عن تعهّداتها الموثّقة، حتّى وإن ثبت أنّ خيوط اللعبة ليست كلّها في أيدي زعيمها راشد الغنوشي، فإنّه لا يعكس كذلك تضاربا في المواقف داخل الحزب الإسلامي الحاكم بقدر ما يُجسّد الاستمرار في اعتماد اللعبة ذاتها الموسومة بتوزيع الأدوار، والكرّ والفرّ، والتعويل على مرور الوقت لتمييع جبهة الرفض، وإفشال مساعي المعارضة لسحب بساط الحكم من تحت أقدام الشيخ الغنوشي وجماعته.

2