تونس: عام الحسم مع معضلة الإسلام السياسي

الأحد 2014/01/05
مراقبون: حركة النهضة ستغادر الحكم "مكرهة"

تونس- يصنّف التونسيون مشكلة جماعات الإسلام السياسي على أنها من أهم القضايا التي تواجه بلادهم خلال 2014 مشددين على أن التقدم في مسار الانتقال الديمقراطي يبقى رهين استرجاع مؤسسات الدولة لهيبتها.

يتطلع التونسيون خلال السنة الميلادية الجديدة إلى الحسم مع “معضلة الإسلام السياسي” التي قادت بلادهم إلى أزمة خانقة جراء فشل حركة النهضة في إدارة الشأن العام كما يتطلعون إلى استعادة الدولة لهيبتها التي استقوت عليها الجماعات الجهادية المسلحة وأصبحت تهدد أمن الناس في ظل انتشار السلاح وأعمال العنف التي بلغت حد الاغتيالات السياسية.

وترى المعارضة وكذلك مكونات المجتمع المدني أن أهم القضايا التي تواجه تونس خلال عام 2014 هي “مشكلة جماعات الإسلام السياسي بما فيها حركة النهضة” مشددين على أن التقدم بمسار الانتقال الديمقراطي يبقى رهين استرجاع مؤسسات الدولة لهيبتها وقوتها لتكون حصنا منيعا ضد جماعات باتت تهدد المجتمع التونسي وتفرض عليه “نمطا مجتمعيا غريبا” هو أقرب منه إلى السلفية المتشدّدة من المالكية وهو المذهب الذي يعتنقه التونسيون.

لكن المعارضة لا تخفي “قلقها” من أن حركة النهضة الإسلامية الحاكمة قادرة على إعادة ترتيب بيتها من الداخل ورص صفوفها خلال الفترة القادمة استعدادا للانتخابات المزمع إجراؤها قبل نهاية العام 2014 الأمر الذي يجعل من نهاية الإسلام السياسي مستبعدة بعد أن استحكمت الحركة الحاكمة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

وتعتبر غالبية التونسيين أن استقرار بلادهم مشروط برحيل حركة النهضة عن الحكم بعد أن قادت البلاد إلى أزمة خانقة هي الأولى من نوعها منذ استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي عام 1956.

وكثيرا ما “تقلل” الحركة الإسلامية الحاكمة من تلك الأزمة حتى أن رئيسها راشد الغنوشي نفى أن تكون تونس تعيش أزمة أصلا مشددا على أن “الأزمة تشهدها النخبة السياسية التي تعيش في جزيرة” في إشارة إلى عزلة الفاعلين السياسيين عن المشهد السياسي للبلاد.

غير أن المتابعين للشأن التونسي يشددون على أن تونس دخلت في أزمة حادة منذ اغتيال المناضل شكري بلعيد في فبراير الماضي، وهي أول عملية اغتيال سياسي في تاريخ تونس الحديث، وقد دفعت تلك العملية برئيس الحكومة آنذاك والأمين العام لحركة النهضة إلى الاستقالة.

وأثارت عملية الاغتيال غضبا شعبيا واسعا في مجتمع لم يتعود على العنف السياسي فما بالك بالاغتيالات السياسية حتى أن المعارضة رأت أنها فوتت على نفسها فرصة “إنهاء حكم الإسلاميين” ولم تستثمر عملية الاغتيال استثمارا سياسيا يظهر خطورة جماعات الإسلام السياسي.

وعلى الرغم من أن حكومة النهضة اتهمت جماعة أنصار الشريعة التي يتزعمها سيف الله بن حسين الملقب بـ”أبو عياض” بالتخطيط والتنفيذ لاغتيال بلعيد إلا أن المعارضة العلمانية حمّلت الحركة مسؤولية الاغتيال نتيجة تسامحها بل تواطئها مع الجماعات الجهادية التي استفادت من حكم النهضة. ولم تتخذ حكومة القيادي في حركة النهضة علي لعريض التي خلفت حكومة الجبالي أية إجراءات من شأنها أن تضع حدا لتهديدات الجماعات الجهادية وسعت إلى “طمأنة” التونسيين بأنها قادرة على “توفير الأمن” و”التعاطي” مع الوضع بكل “حزم” في محاولة لامتصاص غضب سياسي وشعبي ما انفك يتزايد تؤججه حالة الاحتقان الاجتماعي جراء تدهور القدرة الشرائية والانفلات الأمني وتواتر الأنباء عن مخابئ سلاح كبيرة.

وعمقت عملية الاغتيال الثانية التي استهدفت المناضل محمد البراهمي في يوليو الماضي الأزمة التي تعصف بتونس أصلا وكادت تزج بالبلاد في حرب أهلية طاحنة بعد أن تأكد التونسيون أن أهم خطر يتهدد مجتمعهم هو “سطوة” الجماعات الإسلامية التي انتشرت في الأحياء الشعبية وفي المحافظات الداخلية المحرومة.

لم تكن المعارضة “المتشرذمة” و”المرتبكة” بقادرة على مواجهة “النهضة العنيدة” لولا الدور الكبير الذي قام به الاتحاد العام التونسي للشغل، أقوى منظمات المجتمع المدني على الإطلاق حين قرر الخروج علنا لمواجهة الحركة الحاكمة وشدد أمينه العام حسين العباسي أن “النقابيين لن يبقوا مكتوفي الأيدي” أمام استفحال العنف في البلاد وانزلاقها في أتون أزمة تهدد التونسيين.

حسم الإسلام السياسي في تونس ليس بمعزل عن حسم دولي مرتبط بالتغيير في مصر والإطاحة بحكم الإخوان

ولأول مرة في تاريخه العريق نظم اتحاد الشغل إضرابين عامين خلال سنة واحدة احتجاجا على اغتيال بلعيد والبراهمي وانتصارا لمطالب التونسيين في وضع حد لحكم الإسلاميين الذين زرعوا كوادرهم في مفاصل الدولة والمجتمع في إطار مخطط “الأسلمة”.

وساعد الدور النشيط الذي قامت به المركزية النقابية في رص صفوف المعارضة إذ نجحت في 6 أغسطس الماضي في تنفيذ اعتصام تظاهر خلاله عشرات الآلاف من المناهضين لحكم النهضة، وكان ذلك بداية الحسم في حكم حركة النهضة وجماعات الإسلام السياسي بصفة عامة.

وفي تشرين الثاني تقدم الاتحاد العام التونسي للشغل وثلاث منظمات من المجتمع المدني بخارطة طريق تنص على تشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة وتنهي حكم حركة النهضة، وقد ساعدت الخريطة بعد مفاوضات متعثرة وشاقة نتيجة تلكؤ النهضة في ترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة المرتقبة.

ويقول الخبراء إن الفلسفة العامة للخارطة ستفضي بالتأكيد إلى إنهاء حكم النهضة وإخراج البلاد من الأزمة التي تتخبط فيها منذ أشهر غير أن النهضة شددت على لسان رئيسها راشد الغنوشي على أنها ستغادر الحكومة لكنها لن تغادر الحكم.

لكن المراقبين يؤكدون أن حركة النهضة ستغادر الحكم “مكرهة” تحت غضب سياسي وشعبي ما انفك يتزايد بعد أن تراجعت شعبيتها لا فقط في صفوف عامة التونسيين بل أيضا في صفوف مؤيديها الذين يعضّون اليوم أناملهم بعد أن منحوها أصواتهم في انتخابات 23 تشرين الأول 2011.

ويرى الأخصائي في الجماعات الإسلامية سامي إبراهم أن “حكم جماعات الإسلام السياسي انتهى وأن المسألة مسألة وقت” مشيرا إلى أن مصير حركة النهضة لن يكون بعيدا عن “مصير حركة الإخوان في مصر”.

ويعتبر إبراهم أن سنة 2014 ستكون بالضرورة “سنة الحسم في الإسلام السياسي الذي قدم تجربة فاشلة في إدارة الشأن العام وتسيير دواليب الدولة”، مضيفا أن التونسيين يتطلعون اليوم إلى “دولة مدنية قوية تتمتع مؤسساتها بالهيبة كما يتطلعون إلى أن “إنهاء خطر الجماعات الجهادية التي أدخلت كميات كبيرة من الأسلحة للبلاد وباتت مصدر خوف وقلق للناس.

وتطالب المعارضة الحكومة بالالتزام بتنفيذ بنود خارطة الطريق وفي مقدمتها تشكيل حكومة كفاءات مستقلة غير متحزبة وتشدد على ضرورة رحيل كافة حكومة النهضة كشرط لإخراج البلاد من الأزمة وإنهاء مشروع الإسلاميين الذين “نخروا” مؤسسات الدولة المدنية.

2