تونس.. عبير موسي من الحدّة إلى الهدنة

الوباء في تونس يحدث نوعا من الهدنة المؤقتة بين الخصوم السياسيين والأيديولوجيين في المنابر الإعلامية وداخل البرلمان.
الاثنين 2020/04/06
تغليب المصلحة العامة

تونس –  دفع تفشي فايروس كورونا في تونس إلى إحداث نوع من الهدنة السياسية المؤقتة بين الخصوم الأيديولوجيين في المنابر الإعلامية وخاصة داخل البرلمان وذلك لتسهيل عمل الحكومة ومؤسسات الدولة والهياكل الصحية لمكافحة الوباء.

وتُرجمت هذه الهدنة التي شملت أيضا عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر المعروفة بمواقفها المعادية لحركة النهضة وللإسلاميين عموما في تونس بعدما صادق مجلس نواب الشعب الأحد على مشروع القانون المتعلق بالتفويض لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في إصدار مراسيم لتسهيل عمل الحكومة في اتخاذ الإجراءات الضرورية دون الرجوع إلى البرلمان.

وأجج هذا القانون معركة معلنة بين رئيس الحكومة الفخفاخ وبين حركة النهضة التي رفضت في البداية تمكينه من آلية إصدار المراسيم خوفا من أن يفتك الفخفاخ صلاحيات راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي في الوقت نفسه.

وخلال أسابيع قليلة فقط نجحت موسي رئيسة الحزب الدستوري في أن تصنع لنفسها صورة شخصية سياسية هادئة دون أن تغير من ثوابتها وعلى رأسها التمسك بالتناقض الرئيس مع حركة النهضة الإسلامية وإظهار أن الطبقة السياسية التي جاءت بعد الثورة لا تمتلك بدائل، وأنها فقط تقتات على نقد الماضي.

لكن الذي تغير هو الأسلوب، بحيث لاءمت موسي بين مواقفها السياسية الحادة والحاسمة وبين دورها في البرلمان كرئيسة كتلة يفرض عليها أن تجلس إلى خصومها الفكريين وتتجادل معهم، لتقطع الطريق أمام الحملات الإعلامية التي يخوضها أنصار حركة النهضة والهادفة إلى عزلها وإظهارها كشخصية غير قابلة للتواصل.

وأعلنت موسي وضع مختلف خبرات الحزب وكفاءاته على ذمة الدولة للاستئناس بها وتفعيل جهودها في التصدي لانتشار فايروس كورونا المستجد.

وقدمت موسي خلال جلسة عُقدت بالبرلمان لمناقشة تمكين رئيس الحكومة من صلاحيات استثنائية، جملة من المقترحات قالت إنه “يمكن تبنّيها خلال الأزمة وحتى بعد الانقضاء منها، والانكباب على تمرير بعض الإصلاحات الناجعة”.

وتضمّنت الإجراءات مراجعة منظومة الدعم وإصلاح الإدارة والرقمنة، فضلا عن تحسين الخدمات في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والمالية، مع استشراف متطلبات المرحلة القادمة.

ودعت موسي، السبت، في مداخلتها خلال الجلسة العامة المخصصة لمناقشة مشروع قانون التفويض لرئيس الحكومة للتحرك بسرعة، إلى حسن إدارة توزيع المنح والمساعدات الاجتماعية، وحذرت من خطورة الاكتظاظ والتناحر في عدد من محافظات البلاد.

وشددت “على ضرورة إنهاء حالة التجاذبات والمشاحنات”، ودعت إلى توحيد السلطات وأجهزة الدولة ذاكرة بالخصوص المعتمدين ورؤساء البلديات.

كما طالبت بالاستماع إلى عمادة الأطباء وتخصيص مستشفيات بالكامل لمرضى كورونا، محذّرة ضرب الوباء لجنود الصف الأول من الإطارات الطبية وشبه الطبية، قائلة في هذا الصدد “نريد مستشفيات مخصصة لكورونا بجميع الاختصاصات لضمان نجاح الخطة الصحية الوطنية لمجابهته”.

ويرى مراقبون أن موسي بدأت مراجعة مواقفها الحادة في البرلمان إبان بداية المعركة مع وباء كورنا، والتي شهدت التفافا في الشارع إلى جانب قرارات الحكومة، فضلا عن أن جلسات البرلمان

تنقل بشكل مباشر على التلفزيون، وهو ما يساعد على تشكيل رأي عام داعم لأي حزب، ما يجعل المواقف محسوبة بدقة.

وقال المراقبون إن من شأن تغيّر أداء موسي من المواجهة الصادمة مع الجميع أن يحولها إلى عنصر مؤثر في التحالفات البرلمانية إلى جانب الكتل المدنية في مواجهة حركة النهضة خاصة أن كتلتها تلعب الآن دورا سلبيا ساعد بشكل غير مباشر في سيطرة النهضة على البرلمان.

هدنة مؤقتة
هدنة مؤقتة

وسبق أن صوّتت كتلة الدستوري الحرّ (16 نائبا)، برئاسة عبير موسي، ضد منح الثقة لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في أواخر فبراير الماضي، وسط مشاحنات سياسية كبيرة.

وأكّدت موسي في تصريحات لوسائل إعلامية محلية، على أن حزبها “لن يمنح الثقة لحكومة الفخفاخ، ولن يشارك في هذه الحكومة ولا في المشاورات والصفقات الجارية بشأن تشكيلها”.

وأضافت أن “الفخفاخ أثبت فشله عندما كان وزيرا للسياحة والصناعات التقليدية، أو وزيرا للمالية”، مشيرة إلى “أن صندوق النقد الدولي عاد زمن توليه حقيبة المالية مجددا إلى تونس، بعد غياب أكثر من 23 سنة، ومعه بدأ الانهيار المالي وتراجع السياسة النقدية وتدهور الدينار زمن حكم الترويكا بين سنتي 2011 و2014”.

ومنذ ثورة يناير 2011، عُرفت عبير موسي التي شغلت منصب نائب رئيس لحزب التجمع الدستوري المنحل الذي تزعمه الرئيس السابق زين العابدين بن علي بمواقفها المعارضة والمتشددة ضد حركة النهضة الإسلامية وكل من حكم في السنوات الأخيرة.

ولا تعترف موسي بما تروجه حركة النهضة بأنها فصلت الدعوي عن السياسي ورددت في أكثر من مناسبة خارج البرلمان وداخله أن النهضة لا تعدو أن تكون سوى فرع لجماعة الإخوان المسلمين في تونس.

ولطالما اتهم الحزب الدستوري الحر بقيادة موسي الإسلاميين بالتورّط في الأحداث الإرهابية التي عرفتها البلاد بعد الثورة وكذلك بالمسؤولية عن اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في عام 2013.

ورفضت موسي خلال تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2019 المشاركة في أي مفاوضات تشارك فيها حركة النهضة سواء كان ذلك مع رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي الذي لم تنجح حكومته في الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب أو خلال المفاوضات التي قادها رئيس الحكومة الحالي إلياس الفخفاخ.

6