تونس على النهج المصري في مكافحة الإرهاب

تعكس الزيارة التي يقوم بها اليوم الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى القاهرة حرص الأخير على تعزيز العلاقات مع مصر، في ظل الوضع الإقليمي الملتهب، والتهديد الإرهابي المشترك المتأتي من جارتيهما ليبيا والذي يبدو أن لا مناص من عمليات عسكرية جراحية لاستئصال جذوره.
الأحد 2015/10/04
الأوضاع الإقليمية الملتهبة تدفع الرئيس التونسي إلى تعزيز العلاقات مع القاهرة

القاهرة - كشف مصدر سياسي لـ”العرب” أن مباحثات الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي بالقاهرة اليوم وغدا، ستعطي أولوية لمناقشة أبعاد وتحديات الملف الليبي، وبحث فكرة التدخل العسكري من خلال عمل محدود، يتضمن تنفيذ ضربات جوية خاطفة، من أجل مساعدة الجيش الليبي على تحرير الأراضي الليبية، التي يسيطر عليها تنظيم داعش والميليشيات المسلحة.

وقال المصدر إن مصر تميل إلى تأجيل أيّ قرار عسكري بالتدخل الواسع في اﻷراضي الليبية، إلى ما بعد الانتهاء من تشكيل القوة العربية المشتركة.

وعلمت “العرب” أن مصر تتعاون مع تونس معلوماتيا وأمنيا في تدريب قوات شبيهة بوحدات التدخل السريع على مكافحة الإرهاب، وقامت القوات المسلحة المصرية بعدد محدود من الطلعات الجوية في الغرب الليبي، بطائرات الرافال التي تسلمتها مؤخرا من فرنسا.

وأوضح مصدر رئاسي مصري لـ”العرب” أن القاهرة لعبت دورا مهما في تحول الموقف التونسي تجاه تركيا، حيث كشفت المخابرات المصرية لتونس معلومات تؤكد قيام تركيا بدور في دعم الإرهاب، وقدمت لها صورا لسفن تركية ترعى حركة نقل الإرهابيين في البحر المتوسط، وهو ما عكسته تصريحات للطيب البكوش وزير الخارجية التونسية اتهم فيها أنقرة صراحة بمساعدة الإرهاب في تونس، وتسهيل تنقل إرهابيين نحو العراق وسوريا، تحت مسمى الجهاد.

كما كان للقاهرة دور في إقناع تونس بوقف تجميد العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وفتح باب للتنسيق المباشر مع دمشق بشأن مصير آلاف التونسيين الذين ذهبوا إلى سوريا، وانضم عدد كبير منهم لقوى متطرفة.

وعلمت “العرب” من مصادر أمنية، أن موجات الإرهاب المتتالية التي ضربت كل من مصر وتونس، جعلت من رفع مستوى التنسيق والتعاون ضرورة حتمية، فرضتها رغبة لدى قيادتي البلدين، لصد الهجمة الشرسة التي تهبّ على كليهما من ليبيا، بسبب الفوضى التي تعمّ شرق وغرب هذه الدولة، خاصة أن لدى مصر منهج شامل في مكافحة الإرهاب، يمكن أن يكون مرشدا لأجهزة الأمن التونسية لوقف تمدد الإرهابيين.

الزيارة التي يقوم بها الرئيس التونسي إلى القاهرة يومي 4 و5 أكتوبر الجاري، تطوي صفحة سادها قدر من الارتباك، جراء تباين الموقف من جماعة الإخوان المسلمين

وأكد مراقبون أن الزيارة التي يقوم بها الرئيس التونسي إلى القاهرة يومي 4 و5 أكتوبر الجاري، تطوي صفحة سادها قدر من الارتباك، جراء تباين الموقف من جماعة الإخوان المسلمين، فمصر ترى صعوبة قبولها كجزء من العملية السياسية الجارية، وتصر على الإقصاء، عقب ثبوت دعم الجماعة لكثير من عمليات العنف والإرهاب، بل والتورط في عدد منها، بينما تشارك الجماعة في الحكومة التونسية الحالية.

لكن الجانبين تجاوزا في الآونة الأخيرة التباين حول هذه القضية، وبدأ التقارب يتصاعد، بعد تزايد التهديدات التي تمثلها الجماعات المتطرفة في ليبيا، حيث تسرّبت عناصر منها عبر الحدود المشتركة لكل من الدولتين.

وإذا كانت مصر نجحت في سد الكثير من المنافذ الحدودية، من خلال التنسيق مع الجيش الليبي والقبائل وتكثيف الدوريات المرورية، فإن التساهل النسبي على الجبهة التونسية، ساهم في استمرار تدفق عناصر داعشية إلى داخل تونس، حتى نجحت في ارتكاب جرائم في العمق التونسي.

وعندما استشعرت تونس تنامي الخطر، ضاعفت من إجراءاتها الأمنية على الحدود مع ليبيا، لكن ظلت بعض الثغرات التي يتسرب من خلالها المتشددون مفتوحة وعصية على السيطرة، لأن الساحة التي يتحركون فيها (ليبيا) يصعب ضبطها دون إجراءات إقليمية جماعية، وهنا جرت مياه كثيرة بين مصر وتونس والجزائر، فشلت جميعها في اتخاذ خطوات عملية لإغلاق المنافذ، وتطويق العناصر الإرهابية داخل معسكراتها.

لذلك رجّح متابعون لـ”العرب” أن يكون الملف الليبي على قائمة الملفات التي سيتم طرحها في اللقاء الأول بين الرئيس السبسي ونظيره المصري عبدالفتاح السيسي، بعد أن نضجت الرؤية المشتركة للبلدين، واتفقا على أن تهديدات المتطرفين القادمين من ليبيا تمثل الخطر الأكبر الذي يقض مضاجع كل من مصر وتونس الآن، وربما في المستقبل.

وكان الرئيس السبسي، أفصح في أثناء حملته الانتخابية، عن رغبته في تكوين تحالف إقليمي لمواجهة الإرهاب، يضم كلا من مصر وتونس والجزائر، لكن تباين المواقف بين الدول الثلاث، أخمد الفكرة مقدما، بل تسبب في صعوبة التنسيق العملي، وكاد مشروع التعاون الإقليمي يختفي، إلا أن تصاعد التحديات منح الفكرة قبلة حياة جديدة.

وأكد كارم يحيى الخبير في الشأن التونسي، أن الدلالة المهمة التي تحملها زيارة السبسي للقاهرة في هذا التوقيت تكمن في أنها تأتي بعد أقل من شهر واحد من انعقاد أعمال اللجنة العليا المصرية-التونسية، وهو الانعقاد الأول منذ خمس سنوات.

وقال لـ”العرب” إن أطر التعاون المشترك أخذت دفعة قوية من وراء انعقاد اللجنة، وسوف تستكمل حلقاتها بزيارة الرئيس التونسي للقاهرة، مشيرا إلى أن هناك قضايا مشتركة بين الجانبين، ويعيشان مرحلة انتقالية ممتدة، كما أن ثمة تحديات متقاربة، على رأسها محاربة الإرهاب.

التساهل النسبي على الجبهة التونسية، ساهم في استمرار تدفق عناصر داعشية إلى داخل البلاد، حتى نجحت في ارتكاب جرائم في عمق أراضيها

وأوضح يحيي أنه في شهر واحد، وهو شهر أغسطس 2015، تم سنّ تشريعين في البلدين لمكافحة الإرهاب، وهو ما يشير إلى أن التحديات في هذا الفضاء مشتركة، كما أن سن التشريعين كان قد أثار مخاوف عند قطاعات من الرأي العام في البلدين، لكن بدرجات متفاوتة، خشية أن تكون مواجهة الإرهاب على حساب الحريات وحقوق الإنسان.

ونوّه إلى أن الرئيس السبسي ينتمي إلى ميراث الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، أي ميراث دولة الاستقلال، وكانت له تصريحات قبل أن يصبح رئيسا، عبّر فيها عن رغبته في تعاون إقليمي موسع لمواجهة الإرهاب، يشمل مصر والجزائر إلى جانب تونس، لأن الإرهاب له بعد إقليمي واضح، خاصة في ظل المشاكل التي تعاني منها ليبيا، وتحوّلها إلى مخزن للسلاح لخدمة الإرهابيين.

وشدد السفير فتحي الشاذلي مساعد وزير الخارجية المصري (سابقا) على أن زيارة السبسي مقدمة جيدة لفتح سبل التعاون في المجال الأمني، لأن ملف استقرار ليبيا سيكون حاضرا بقوة في حواراته مع المسؤولين في مصر، مشيرا إلى أن هناك حوارات مشتركة، ولم تتوقف عمليات تبادل المعلومات لتفادي المخاطر الناجمة عن انتشار الإرهاب.

وأكد السفير الشاذلي لـ”العرب” أن النقاشات أيضا سوف تدور حول القضايا الثنائية ذات الاهتمام المشترك، فضلا عن قضايا الهجرة غير الشرعية، وتطوير التعاون الاقتصادي.

من جانبه، قال خالد عكاشة الخبير في القضايا الاستراتيجية في تصريحات خاصة لـ”العرب” إن اللقاء بين الرئيسين، المصري والتونسي، سيتطرق للتباحث حول آليات إعادة الاستقرار إلى ليبيا، وكيفية وضع حد لصعود الجماعات والميليشيات المسلحة، التي أخذت تتغول في الجنوب التونسي، وأفضت إلى زيادة موجات الإرهاب على أراضيها.

2