تونس على تخوم ثورة الفقراء والأجراء

الأحد 2014/01/19
الأحياء الشعبية والفقيرة مكان خصب لاصطياد الجهاديين

تونس – من يعتقد أن الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها تونس مند أشهر انتهت باستقالة حكومة القيادي في حركة النهضة علي لعريض فهو إما يجهل الوضع العام بالبلاد أو يتجاهله.

ورث مرشح الحكومة التونسية المرتقبة مهدي جمعة تركة ثقيلة قادت البلاد إلى تخوم ثورة ثانية قد يقودها مجددا الفقراء والمحرومون دفاعا عن حقهم في التنمية والشغل وفي أبسط مقومات العيش الكريم.

ويبدو أن جمعة، المهندس والخبير، على وعي بأن حكومة حركة النهضة الإسلامية سلمته “ملفات مفخخة” قابلة للانفجار في أية لحظة أكثر مما سلمته “فرصة سياسية” لتشكيل حكومة من الكفاءات غير المتحزبة لتدير شؤون البلاد حتى إجراء الانتخابات خلال العام الحالي 2014.

ويعد الملف الاجتماعي من أهم “الملفات المفخخة” التي تستوجب من حكومة جمعة معالجتها والتعاطي معها في وقت تسود حالة من الاحتقان والغليان أوساط فئات واسعة من المجتمع وفي مقدمتها الفئات الهشة التي تعرضت خلال حكم النهضة إلى عملية تفقير أججت حركات الاحتجاج في مختلف الجهات والمدن.

فقد أظهرت تقارير اجتماعية أن نسبة الفقر العامة في تونس ناهزت 30 بالمئة نتيجة تعرض الفئات الوسطى إلى التهميش الاجتماعي، في وقت احتلت فيه تونس المرتبة الأولى في بلدان المغرب العربي من حيث ارتفاع نسبة الثراء لتبلغ 16.2 منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير 2011.

وأشارت نفس التقارير إلى أن 20 بالمئة من التونسيين يستأثرون بـ 80 بالمئة من الثروات ما يؤكد أن المجتمع التونسي يعيش اختلالا مجحفا بخصوص توزيع عائدات الخيرات، وتمزّق أوصاله حالة من التفقير ضربت الطبقة الوسطى مقابل بروز أثرياء جدد مستفيدين من تفشي ظواهر التهريب والاحتكار والمضاربات.

وخلال الأسابيع الماضية قاد الفقراء والعمال وصغار الفلاحين انتفاضة شعبية ضد الحكومة محتجين على توظيف ضرائب جديدة على سيارات نقل المنتجات الزراعية غير أن المراقبين أشاروا إلى أن الانتفاضة تعكس الغضب الشعبي نتيجة حالة التفقير التي تتعرض إليها الفئات الهشة في المجتمع.

قبل أن تتولى حركة النهضة الإسلامية الحكم في أكتوبر 2011 كان الفقر يعشش في الأحياء الشعبية المتاخمة للمدن وخاصة تونس العاصمة وفي عدد من الجهات الداخلية التي تفتقد للثروات الطبيعية لكن اليوم استشرى الفقر بصفة لافتة لدى شرائح من المجتمع كانت تصنف ضمن خانة الطبقة الوسطى مثل الموظفين والأجراء والعمال.

ويقول الخبراء في التنمية الاجتماعية إن تردي الأوضاع الاقتصادية وما يرافقها من انخفاض في نسبة النمو الاقتصادي وارتفاع في نسبة التضخم إضافة إلى توقف المئات من مؤسسات الإنتاج ساهم بشكل مباشر في ظهور فقراء جدد من الموظفين والأجراء وهو ما يعتبر خطرا حقيقيا على المجتمع.

كما يؤكدون أن ما شهدته تونس خلال السنوات الثلاث الماضية من “انفلات اقتصادي” وظهور “الاقتصاد الموازي” المرتبط بشبكات التهريب عبر الحدود الجنوبية الشرقية مع ليبيا والغربية مع الجزائر قاد إلى ظهور أثرياء جدد جراء “الربح السهل” الذي قوض، ومن الأساس، قيم الجهد والعمل والكسب المشروع.

فقراء المناطق الشعبية والفقيرة يمثلون لقمة سائغة للجماعات السلفية الجهادية التي استغلت مظاهر الحرمان والبؤس لتعزز مواقعها من خلال عمليات ابتزاز

تاريخيا، يحسب لمشروع دولة الاستقلال خلال فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي أنه راهن على قيمة العمل في بناء تونس المستقلة في ظل ندرة الثروات الطبيعية، فانخرط التونسيون في كفاح وطني شاق من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وما تحقق للتونسيين في ظل الدولة الوطنية من مكاسب تنموية طيلة حوالي خمسة عقود تم نسفه بالكامل خلال ثلاث سنوات تحت عنوان الثورة بعد أن فشلت حكومة الإسلاميين لا فقط في إدارة شؤون البلاد بل أساسا في الحفاظ على منجزات المشروع الوطني حتى أن الأرقام والمؤشرات الاجتماعية باتت اليوم مفزعة كما يقول الخبراء في التنمية الاجتماعية.

وعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية يقود أهالي الأحياء الشعبية والجهات الداخلية التي انطلقت منها شرارة الثورة احتجاجات ضد السياسات التنموية غير العادلة التي تتبعها الحكومة مطالبين بالحق في التنمية والشغل وتوفير مقومات العيش الكريم.

ويمثل فقراء تلك المناطق “لقمة سائغة” للجماعات السلفية الجهادية التي استغلت مظاهر الحرمان والبؤس لتعزز مواقعها من خلال "عمليات ابتزاز" و”مقايضة” المواطنين بتجنيدها في صفوفها مقابل توفير المال السياسي تحت يافطة “المساعدات الخيرية”.

وأعرب الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية الأقوى في تونس، عن دعمه لحركات الاحتجاج باعتبارها “حركات مشروعة” تعكس “غضبا شعبيا ضد سياسات غير عادلة أنهكت العمال والأجراء وصغار التجار والفلاحين من خلال إجراءات مرتجلة وغير مدروسة”.

وطالب الاتحاد حكومة مهدي جمعة المرتقبة بـ”انتهاج سياسة اجتماعية عادلة” تضع حدا لحالة التفقير التي يتعرض لها غالبية التونسيين.

وشدد على أنه لن يبقى “مكتوف اليدين” إزاء ما تشهده البلاد من “انتفاضة” دفاعا عن الحق في التنمية وفي الشغل وفي تحسين ظروف المعيشة.

ويقول المراقبون إن التونسيين الـذين احتفلوا احتفالا باهتا بالذكرى الثالثة لثورة 14 يناير 2011 فقدوا ثقتهم في سياسيين خذلوهم وأن حالة الإحباط والغضب قادتهم إلى تخوم ثورة ستقودها الفئات الهشة.

ويشير المراقبون إلى أن حكومة مهدي جمعة المرتقبة ستجد نفسها في مواجهة وضع اجتماعي “مفخخ” لا تمتلك الآليات الكفيلة بمعالجته نظرا لعامل الزمن حيث لن تستغرق إدارتها لشؤون البلاد أكثر من سنة وهي فترة لا تكفي لتوفير حلول لمشاغل التونسيين اليومية.

2