تونس على محك الحفاظ على التوافق ومخاطر التوتر الاجتماعي

مازال الوضع في تونس يلفه الغموض، ولم تزل القضايا الكبرى التي طرحت كرهانات حقيقية للثورة مجرد أمان عصية عن التحقيق لاسيما في الوقت الراهن الذي تشهد فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة فضلا عن ملامح أزمة سياسية. ويعول التونسيون على أن يؤتي التحوير الوزاري الأخير أكله، في ظل فشل الحكومة في تلبية طموحات الشعب.
السبت 2016/01/09
تغييرات جوهرية

تونس - انطلقت تونس عام 2015 بحكومة وبرلمان ورئيس جدد على أمل الخروج من الفترة الانتقالية التي مرت بها البلاد لمدة 4 سنوات، لكن سرعان ما بدأت عراقيل ومشاكل تواجه الحزب ذا الأغلبية البرلمانية (نداء تونس) إلى جانب عودة الرئيس السابق المنصف المرزوقي للنشاط السياسي، الأمر الذي يزيد من تعقيد وضبابية المشهد مع انطلاقة السنة الثانية في مرحلة وضع البلاد على المسار السليم.

ويشهد حزب نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحاكم في البلاد، منذ ما يزيد عن شهرين، حالة انقسام حادة بين فريقين؛ الأول يدعم أمينه العام المستقيل، محسن مرزوق، والثاني يساند حافظ قائد السبسي نجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.

ووصلت حدة الأزمة إلى مستوى غير مسبوق، حيث اتهم القيادي الطيب البكوش خلال اجتماع سابق للحزب قياديّا آخر لم يسمه بـ”تعطيل وإبطال اتفاقيات كانت ستوقعها تونس مع دول أخرى”.

ويعتبر عبداللطيف الحناشي الباحث في الشأن السياسي التونسي، أن “أزمة هذا الحزب تبدو عمودية بالأساس ولا نعرف مدى توسعها وانتشارها أفقيا حتى الآن”، مستدركا “لكن قد يؤدي انفصال جزء من قاعدة الحزب البرلمانية وتشكيل كتلة مستقلة وحزب جديد من رحم نداء تونس إلى آثار سلبية على قدرة الحزب على الاستمرار كأغلبية برلمانية بل قد يؤدي ذلك إلى تغيير الخارطة الحزبية وموازين القوى السياسية وشكل التحالفات وطبيعتها”.

وكان 32 نائبا من الحركة، قدموا استقالاتهم من كتلة “نداء تونس”، في نوفمبر الماضي، قبل أن يعلقوها مؤقتا، احتجاجا على ما اعتبروه تهميش مشروع الحزب”.

وأعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في وقت سابق، باعتباره مؤسس حركة نداء تونس، تشكيل لجنة تضم 13 عضوا من الحزب، تتمثل مهمتها في محاولة التوفيق وتحقيق التوافق بين من وصفهم بـ”الفرقاء”.

ويشغل نداء تونس 82 مقعدا في البرلمان المؤلف من 217 مقعدا. ومن شأن انفصال 30 عضوا من أعضاء الحزب أن يجعل حزب النهضة الإسلامي أكبر كتلة في المجلس بمقاعده البالغ عددها 69. ويشغل بقية المقاعد أعضاء من أحزاب أصغر.

الحكومة الجديدة لا تمتلك مقومات ذاتية للاستمرار، واستمرارها مرتبط بالوضع السياسي العام في البلاد

ووضعت تونس دستورا جديدا وتتبع سياسة توافقية حظيت بالإشادة بوصفها نموذجا للتحول الديمقراطي منذ الإطاحة بحكم بن علي. ونجت تونس من اضطرابات عنيفة عانت منها دول أخرى في المنطقة منذ انتفاضات الربيع العربي في 2011.

لكن وبعد ثلاث هجمات كبيرة شنها المتشددون العام الماضي، تواجه تونس صعوبات للتعامل مع تحديات أمنية قوية. وتحتاج البلاد إلى إصلاحات لخفض الإنفاق العام وتوفير فرص اقتصادية كان الكثير من التونسيين يأملون في أن تحققها انتفاضتهم.

وبرز حزب نداء تونس كقوة سياسية في 2013، وقاد احتجاجات ضد حكومة شكلها حزب النهضة. وتفوق نداء تونس على النهضة في انتخابات 2014 ثم مضى ليشكل ائتلافا مع منافسه.

تعديل وزاري مثير للجدل

أجرى رئيس الحكومة التونسية، الحبيب الصيد، مساء الخميس، تحويرات وزارية، شملت 9 وزارات من أصل 26 وزارة، من أهمها وزارة الداخلية والخارجية والعدل، رافقها إحداث 3 وزارات جديدة هي وزارة الشؤون المحلية، ووزارة الطاقة والمناجم، ووزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد.

وشملت التحويرات الجديدة، تقسيم وزارة الداخلية، إلى وزارة خاصة بالشؤون المحلية، وأخرى وزارة داخلية مهمتها الأمن، تولاها الهادي المجدوب (تكنوقراط مستقل)، خلفًا لناجم الغرسلي.

وتم تعيين، يوسف الشاهد، عضو المكتب التنفيذي لحركة نداء تونس ورئيس لجنة 13 التي شكلها الرئيس، الباجي قائد السبسي من أجل حل أزمة الحركة، على رأس وزارة الشؤون المحلية، التي سيكون لها دور كبير في الانتخابات البلدية، المتوقع إجراؤها الخريف المقبل في البلاد.

وغادر الأمين العام الأسبق لنداء تونس، الطيب البكوش، وزارة الخارجية ليخلفه المستشار السابق للرئيس، الباجي قائد السبسي، في العلاقات الخارجية والدبلوماسية، خميس الجيهناوي، وكان الطيب البكوش قد واجه جملة من الانتقادات تتهمه بعدم الفاعلية في تناول القضايا الخارجية المهمة لتونس، من بينها الأزمة الليبية.

وقال المحلل السياسي، نصر الدين بن حديد، إن “الخلاف بين الرئاسة والخارجية كان واضحًا خلال تولي الطيب البكوش، الحقيبة الوزارية، في حين أن الصلاحيات المتعلقة بالشؤون الخارجية من مهام الرئيس حسب الدستور التونسي، مضيفًا أن “خميس الجيهناوي (وزير الخارجية الجديد) له علاقات ممتازة بالدول الغربية وهذا مطلوب”. حسب رأيه.

الخلاف بين الرئاسة والخارجية كان واضحًا خلال تولي الطيب البكوش، الحقيبة الوزارية

ولم يمسّ رئيس الحكومة، التوازنات السياسية القائمة في البلاد في التحوير الوزاري الأول منذ تولي حكومته في السادس من فبراير 2015، حيث استمر الائتلاف السياسي بين الأحزاب الأربعة، وهي حركة نداء تونس، وحركة النهضة، والاتحاد الوطني الحر، وحزب آفاق تونس. وكانت حكومة الصيد، تضم 26 وزيرًا، و14 وكيلًا وزاريًا، فيما تتكون الحكومة الجديدة من 29 وزيرا فقط، بعد إلغاء منصب الوكيل الوزاري.

وكان من بين الوزارات ومناصب وكلاء الدولة الذين ضمتهم حكومة الصيد، 7 وزراء، ووكيل وزاري منتمين لحركة نداء تونس، ووزير واحد و3 وكلاء وزاريين، منتمين لحركة النهضة، و3 وزراء من حزب آفاق تونس، و3 وزراء من الاتحاد الوطني الحر، فضلًا عن شخصيات مستقلة، وأخرى مستقلة ذات خلفيات حزبية.

واعتبر بن حديد، التحوير الوزاري “استمرارًا للتوافق السياسي بين حركة النهضة، ونداء تونس في نسخته الجديدة”، في إشارة إلى الانقسام الحاصل داخل نداء تونس بعد استقالة أمينه العام محسن مرزوق.

إلا أن بن حديد، قلل من أهمية الاستقرار الحكومي، واعتبر أن الحكومة الحالية “هي حكومة تصريف أعمال مؤقتة حتى تاريخ مؤتمر حركة نداء تونس (يتوقع عقده في يوليو المقبل) ومؤتمر النهضة (يتوقع عقده في مارس المقبل).

واعتبر أمين عام، حزب البناء الوطني، رياض الشعيبي، (منشق عن حركة النهضة) أن الحكومة الجديدة لا تمتلك مقومات ذاتية للاستمرار، وأن استمرارها مرتبط بالوضع السياسي العام في البلاد واستقرار المؤسسات الدستورية (مجلس النواب ورئاسة الجمهورية) وأي اختلال داخل هذه المؤسسات، سينعكس مباشرة على فرصة هذه الحكومة على الاستمرار في المستقبل.

ولم يشمل التحوير الوزاري الجديد، الوزارت التي لها علاقة بالشؤون الاقتصادية، حيث بقي وزير المالية، سليم شكر، (حزب نداء تونس) في منصبه، وكذلك وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، ياسين إبراهيم، (حزب آفاق تونس).

من جانبه اعتبر، الاتحاد العام التونسي للشغل، في بيان له، أن التحوير الوزاري الجديد اعتمد مبدأ المحاصصة ولم يراع الكفاءة، كما لم يعالج العجز الذّي وقع بعدد من الوزارات، وعمد إلى معاقبة بعض الوزراء، الذّين عبروا عن نفَس إصلاحي حقيقي، وأتى بآخرين لا صلة لهم بأهداف الثورة ولا بمصلحة البلاد. وقال الاتحاد، إن التحوير الجديد “لا يستجيب لمتطلبات المرحلة ويزيد من تعميق الأزمة المخيمة على البلاد ولا يحمل مشروعًا شاملًا لتجاوزها”.

على الرغم من الوضع الاقتصادي المتدهور، إلا أن التحوير الوزاري الجديد، لم يشمل الوزارت التي لها علاقة بالشؤون الاقتصادية

وأضاف، أن “رئيس الحكومة لم يراع قاعدة التشاور والوفاق التي حرصت أغلب الأطراف على إرسائها، لحل الإشكالات في الملفات الوطنية، وأخذَ القرارات في مسار مازال يحتاج إلى التوافق”. وتوزع وزارات الحكومة الجديدة، بين الأحزاب السياسية على النحو التالي: 10 لـ“نداء تونس”، و4 لـ“الاتحاد الوطني الحر”، و3 لـ“آفاق تونس”، و2 لـ“النهضة”، و10 لـ”مستقلين”.

مؤشرات سلبية

يقرأ هاني مبارك، أستاذ الإعلام والعلوم السياسية في الجامعة التونسية المؤشرات السياسية لسنة 2016 على أنها تواصل لـ2015 ويبين أن “المشكل الحقيقي الذي تواجهه القوى السياسية في تونس هو غياب الوعي وعدم فهم الواقع السياسي للبلاد داخليا وإقليميا، بمعنى أن القوى السياسية تصل إلى السلطة باستخدام الإعلام ثم لا تعرف كيف تدير واقعها السياسي أو كيف تجد له حلولا”ويقول مبارك “العام الحالي سيكون تواصلا لـ 2015 من جانب العمل السياسي حيث سيلعب الإعلام دورا كبيرا في توجيهه، فإلى اليوم الأحزاب السياسية في تونس لا تعرف كيف تدير الأحداث، ولا تزال تحت تأثير الصدمة، العمل السياسي الحالي عمل دعائي بالأساس وليس عملا ميدانيا”.

وعلى المستوى الاجتماعي، يُنبئ التوتر المتواصل بين الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف) بصدام قد يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي إثر قرار استئناف أول الإضرابات الإقليمية بعد رفض الأخيرة مقترح الزيادة في أجور العاملين في القطاع الخاص ما يهدد السلم الاجتماعي في البلاد.

وفي هذا الإطار، يقول الحناشي “تبدو الأزمة بين المنظمتين طبيعية ولكنها آنية. فهي طبيعية باعتبار اختلاف وظيفتيهما، فالأولى تدافع عن مصالح العمال في حين تدافع الثانية عن مصالح أرباب العمل، ولم تكن الأزمة الحالية الأولى في تاريخهما، فطالما احتد النقاش وحتى الصراع بين الجانبين حول مطالب اتحاد الشغل برفع أجور العمال وتحسين ظروف العمل. غير أن الأزمة الحالية احتدت وطال أمدها تأثرا بالظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد عامة وانعكاس ذلك على المؤسسات الاقتصادية وعلى الطاقة الشرائية لجميع الطبقات والفئات الدنيا والمتوسطة”.

ويتوقع الحناشي أن تجد الأزمة طريقها إلى الحل قريبا معربا عن اعتقاده بأن “الأزمة لن تطول أكثر مما طالت، وقد يجد الطرفان حلولا وسطى بين الطرفين خلال الشهر الجاري، بعد تشكيل الحكومة الجديدة”.

6