تونس.. غلبة فرضية الانفراج على الانفجار

خطوة الاتحاد ستتلوها خطوة من الحكومة لإثبات حسن النية وبداية ترتيب الملفات من الأصعب إلى الأسهل، وهو ما من شأنه أن يساهم في تغليب فرضية الانفراج على الانفجار.
الأربعاء 2018/04/25
أزمة شائكة

من الصعب أن يُفهم صراع البيانات الذي جدّ الليلة قبل الماضية بين الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل والجامعة العامة للتعليم الثانوي، خارج سياق التجاذبات الحاصلة صلب المنتظم النقابي الأكثر تأثيرا في المشهدية العامة التونسية.

نقول من الصعب لأن الفرضيات التي سيقت منذ الساعات الأولى لإصدار البيانين النقابيين المختلفين حد التناقض، على غرار ازدواجية الخطاب أو استراتيجية “الحديد والحرير” غير قادرة على الانسجام مع فاعل نقابي اعتاد الوضوح في الرؤية والصلابة في الموقف واحترام قرارات النقابة المركزية.

ودون دخول في القراءات القانونية عن إلزامية قرارات الهيئة الإدارية للنقابات القطاعية والجهوية، فإنه من الواضح أنّ تباينا في المواقف خرج عن سياق التعددية والديمقراطية النقابية الداخلية المعتادة في الاتحاد، إلى العلن وأمام الرأي العام المحلي.

وهو تباين في المواقف لا يخفيه الاتحاد، ولا يخجل منه بل على العكس فهو انعكاس لحالة “الدمقرطة” التي تعرفها المنظمة الشغيلة والتي تفتقر إليها الكثير من الأحزاب، ولكن أن يتحوّل هذا الاختلاف إلى شبه حروب بيانات فهو ما لا ينسجم مع مقاربة وحدة الموقف بعد التعدد في الآراء.

والحقيقة التي لا بدّ أن تعرض في هذا السياق كامنة في أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل هو الذي بادر لإيجاد مبادرة شجاعة ترمم نسبيا العلاقة بين الجامعة العامة للتعليم الثانوي ووزارة التربية، والتي وصلت، العلاقة، إلى حالة من المكاسرة ولي الذراع والمزايدات التي يدفع مئات الآلاف من مزاولي التعليم الثانوي فاتورتها الباهظة من مستقبلهم من تحصيلهم العلمي.

في ظل لعبة لي الذراع بين الجامعة والوزارة، ووسط متابعة جد سلبية من طرف الحكومة لمجريات الأحداث، ومع تبرع العديد من الأطراف لدق الإسفين بين الطرفين طمعا في إسقاط مكتسب التعليم العمومي كمصعد اجتماعي وكمنبر معرفي، آل الاتحاد على نفسه مهمة تقديم التنازلات المؤلمة في حق منظوريه ولصالح المجموعة الوطنية، حتى وإن كانت النتيجة تصدعا في العلاقة بين الهيئة الإدارية والنقابة القطاعيّة. بمثل هذه المناقبية الوطنية تعامل اتحاد الشغل، وهو يدرك أنّ ما يدفعه للسلم الاجتماعي قد ينجر عنه اضطراب داخل أوساطه.

لم يكن أمام الحكومة سوى المراوحة بين خطاب الترهيب والترغيب، فالمؤشرات الصادرة عن الميزانية المرصودة لسنة 2019 وتوصيات صندوق النقد الدولي وانهيار الدينار وتضخم الأسعار، كلها عناوين أزمة قائمة لن تسمح لها بهامش كبير من التحرّك، سيما وأنّ قيمة الزيادات المطلوبة من الأساتذة تقدر بنحو 500 مليون دينار تونسي.

في المقابل لم يكن أمام الجامعة العامة للتعليم الثانوي سوى الاستمرار في نسق التصعيد الذي عرف لسعد اليعقوبي الأمين العام للجامعة العامة أن يحشد إليه نسبا محترمة من أساتذة التعليم الثانوي، ذلك أن تدهور الواقع يعتبر أهم أدوات التجييش.

وكما أن نقابة التعليم الثانوي وجدت نفسها على حافة الهاوية، فأي تراخ في المطلبية يعتبر خيانة لـ”تضحيات” الأساتذة المهددين بالاقتطاع من أجورهم، فإن الحكومة كانت تدير الملف كالماشي على الرمال المتحركة، ذلك أنها تعرف أنّ مسلكية أدائها مع قطاع التعليم الثانوي ستكون مثالا لسحبه على مجالات التعليم العالي والأساسي والصحة والمناجم والعدل.

معظم المتابعين كانوا ينتظرون مبادرة تسوية الشجعان من اتحاد الشغل وليس من الحكومة، وكانوا على ثقة بأن الوازع الوطني الذي يحرك الفاعل الاجتماعي لن يتأخر حتى وإن كانت الحكومة هي المطالبة بالفعل وتقديم المبادرة وليس العكس.

هل ستقدر المبادرة التي تقدمت بها الهيئة الإدارية على تجاوز البيان الأخير للجامعة العامة للتعليم الثانوي؟ تقديرنا أن خطوة الاتحاد ستتلوها خطوة من الحكومة لإثبات حسن النية وبداية ترتيب الملفات من الأصعب إلى الأسهل، وهو ما من شأنه أن يساهم في تغليب فرضية الانفراج على الانفجار، الذي يبقى ماثلا أمام التونسيين لا سيما مع كثرة الألغام وتعدد النافخين في نار الخلاف والفتنة.

9