تونس.. غياب مبادرات ناجعة لإنقاذ مؤسسات الدولة

الأحد 2013/09/08
الوضع الاجتماعي والاقتصادي يتهاوى في تونس في ظلّ الصراع الحزبي والتجاذبات السياسية

تونس- قد تبدو فرضية نجاح المفاوضات التي يقودها الاتحاد العام التونسي للشغل بالنسبة إلى المعارضة "مخرجا" لأزمة خانقة لم تشهد تونس مثيلا لها منذ استقلالها عام 1956، لكن المواطن العادي الذي يعيش على أرض الواقع لا يرى فيها سوى مجرد "التقاء مصالح حزبية" بين حركة إسلامية ماضية في أسلمة البلاد وبين معارضة "انهزامية وانتهازية" تسعى إلى تقاسم كعكة السلطة.

يقول المتابعون للشأن التونسي إن المفاوضات بدأت "موؤودة" أصلا في ظل اختلافات جذرية بين حركة النهضة التي وضعت خطوطا حمرا وبين المعارضة التي تطالب بنسف منظومة السلطة التي تركزت إثر انتخابات 23 أكتوبر- تشرين الثاني 2011 والتي فازت فيها حركة النهضة.

يبدو نجاح المفاوضات كفشلها ولن تقدم حلولا عملية لمشاغل التونسيين الحقيقية لأنها تتم أولا بين إسلاميين وعلمانيين وثانيا لأنها تركز على كيفية إدارة شؤون البلاد على أساس عقلية حزبية ضيقة.

تسعى المعارضة إلى"بناء شرعية توافقية" تنهي مرحلة حكم الإسلاميين فيما تتمسك النهضة بـ"الشرعية الانتخابية" وتشدد على أنها لن تتراجع قيد أنملة عن حقها في ممارسة الحكم استنادا إلى نتائج صناديق الاقتراع.

مفكر تونسي: النهضة حركة أصولية لا تؤمن بالدولة الديمقراطية
تونس- وجه المفكر التونسي توفيق المديني انتقادات لاذعة لحركة النهضة الإسلامية الحاكمة.

واعتبر المديني أن حركة النهضة "حركة دينية سلفية متشددة" تسعى إلى إقامة "نظام استبدادي ثيوقراطي" و"لا تؤمن بالدولة الديمقراطية" التي تستوجب التعايش بين الأحزاب المدنية المتعددة.

وقال المديني إن "النهضة حركة أصولية" شأنها شأن حركات الإسلام السياسي، سليلة حركة الإخوان المسلمين، التي أسسها المصري حسن البنا خلال الأربعينات من القرن الماضي ملاحظا أن مشروعها الأساسي يتمثل في بناء "الدولة الإسلامية" التي تطبق الشريعة وهي تلتقي في ذلك مع مختلف الجماعات السلفية.

وتأتي انتقادات المفكر التونسي في إطار توسع رقعة المواجهة بين حركة النهضة والأحزاب العلمانية لتشمل المفكرين والمثقفين والمبدعين الذين تحركوا خلال الفترة الأخيرة بشكل لافت ليقودوا حملة ضد الحركة التي يقولون إنها "ضد حرية الرأي والتعبير" وتعمل على "تجفيف منابع الإبداع التونسي في مختلف المجالات بهدف أسلمة المشهد الثقافي".

ومنذ صعود النهضة للحكم إثر انتخابات 23 أكتوبر- تشرين الأول 2011 تعرض عدد من المبدعين للعنف بسبب أعمالهم "المنافية للإسلام"، كما تم الاعتداء على الفضاءات الإبداعية مثل دور السينما وقاعات عروض الفنون التشكيلية.

وشدد المديني على أن تونس ما بعد الثورة "في حاجة إلى دولة ديمقراطية مدنية يحكمها دستور مدني" و"يتعايش فيها التونسيون في إطار ضمان كامل للحريات الفردية والعامة بما فيها حرية المعتقد".

غير أنه أكد أن حركة النهضة "لا تؤمن بمدنية الدولة" بل "تؤمن بدولة الخلافة" وإن قدمت نفسها على أنها حركة إسلامية معتدلة وتروج لفكرة الديمقراطية.

وبرأي المفكر التونسي فإن "حركة النهضة ركبت موجة الثورة ولم تشارك فيها واليوم تحاول السيطرة على كل مؤسسات الدولة لإحكام قبضتها عليها" من أجل ضمان "النجاح في عملية التمكين لبناء الدولة الإسلامية".

وترفض الحركة الإسلامية الحاكمة التفريط في ما تقول إنه حقها المشروع في إدارة الشأن العام من خلال حكومة سياسية ترأسها شخصية قيادية نهضوية فيما تطالب المعارضة برحيل حكومة علي لعريض وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تشارك فيها مختلف الأحزاب السياسية الفاعلة وترأسها شخصية مستقلة.

وتطالب المعارضة المجلس التأسيسي بالتسريع في كتابة دستور مدني يضمن الحريات الفردية والعامة لكنها لا تمتلك الآليات القانونية لضمان مطلبها لأمر بسيط وهو أن المجلس تهيمن عليه حركة النهضة ويسيره حليفها مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات.

هكذا تم اختزال المفاوضات في الجوانب "القانونية والحزبية" وتم إفراغها من محتواها السياسي والاجتماعي والاقتصادي تحت ضغط حركة النهضة على معارضة متشرذمة ومتنافرة المواقف والمصالح.

وعلى عكس ما تعتقد، فقد قدمت المعارضة فرصة إضافية لحركة النهضة في وقت كان بإمكانها أن تواصل ممارسة ضغطها عليها. ونجحت في رص صفوفها حتى أنها برزت كقوة سياسية أضعفت كثيرا مواقف الحركة الإسلامية وأربكت أداءها على جميع المستويات. غير أنه يبدو أن حركة النهضة نجحت في جر المعارضة إلى المربع الأول لتستثمر تداعيات الأزمة لصالحها وتربح المزيد من الوقت في إطار خطة ممنهجة لامتصاص غضب الشارع.

وبعيدا عن مواقف السياسيين الحاكمين والمعارضين تعتقد قطاعات واسعة من الرأي العام التونسي أن فرضية نجاح المفاوضات لن تقدم شيئا بل على العكس ستعمق الأزمة التي ألقت بظلالها على جميع المستويات.

وبرأي التونسيين فإن أكثر من عامين من حكم الإسلاميين لم يجن منهما الشعب سوى الفقر والحرمان والتهميش إضافة إلى الانفلات الأمني وانتشار السلاح واستقواء الجماعات الإسلامية المتشددة التي يعتبرونها الذراع الميداني لحركة النهضة.

ويبدو هذا الرأي على قدر كبير من الصواب. فقد ارتفعت نسبة الفقر العامة إلى أكثر من 25 بالمئة وهي أكثر ارتفاعا في الأحياء الشعبية وفي الجهات المحرومة حتى أنها تصل إلى أكثر من 40 في المئة.

كما تزايد عدد العاطلين عن العمل ليبلغ عددهم حوالي المليون. واستغلت الجماعات الجهادية بؤس الشباب المحروم لتقوم بتجنيده في شبكات منظمة ومسلحة من أجل "الجهاد". أما على المستوى الاقتصادي فإن وضع تونس يبدو كارثيا في ظل غياب أية خيارات تنموية واضحة قادرة على تنشيط أداء المؤسسات حيث اكتفت حركة النهضة بحلول ترقيعية عجزت عن توفير مقومات الحياة المعيشية ناهيك عن تراجع الاستثمارات حتى أن أكثر من 3000 رجل أعمال غادروا البلاد.

وحذر البنك المركزي من أن "تفاقم الاحتقان السياسي" "أصبح يهدد سلامة الاقتصاد الوطني ونسيجه أكثر من أي وقت مضى". وأعرب عن قلقه إثر تراجع ترتيب تونس 40 مركزا في آخر تقرير لمنتدى دافوس العالمي حول تنافسية اقتصاديات دول العالم.

ولم تكن نتائج حكم حركة النهضة على المستوى السياسي بأفضل مما عليه الأمر على المستوى الاجتماعي إذ انتهجت الحركة "خيار الاستخفاف" بمؤسسات الدولة والمجتمع ما أثار سخط التونسيين على مكاسب تحققت بفضل نضالات أجيال من المصلحين والسياسيين والفقهاء المستنيرين.

ويشدد المحللون على أن فشل تجربة حكم حركة النهضة يجعل من المفاوضات معها "غير مجدية ولا تقود إلا إلى تعميق الأزمة".

2