تونس.. في التحالف الحزبي والفساد السياسي

الخميس 2017/06/15

انتابتني يوم الثلاثاء 13 يونيو الجاري هواجس وأنا أمر أمام مبنى التلفزة الوطنية التونسية بشارع الجامعة العربية، إذ استرجعت ذاكرتي مناظر تلك الخيام التي كانت منصوبة أمام المبنى وفيها جماعات من الملتحين ومن المؤلفة قلوبهم من عناصر ميليشيات “لجان حماية الثورة” وهم معتصمون تنديدا بما كانوا يسمونه “إعلام العار” الذي لم يقبل التدجين ولم يرض بأن يمجد الترويكا وأعمالها وأن يسبّح بحمد النهضة، الحزب الحاكم آنئذ، الذي كان يرى في الحكم غنيمة ساقها الله إليه.

انتابتني الهواجس لأني بدأت أرى ملامح ترويكا جديدة تتكون بزعامة النهضة من جديد بعد التقارب الحاصل بينها وبين نداء تونس من خلال اتفاقهما على إرساء “هيئة عليا دائمة للتنسيق بينهما”.

ولا شك أن “التنسيق الدائم” بين حزبين كبيرين تحت نظام حكم ديمقراطي حقيقي لا خوف منه على الحياة السياسية وعلى الديمقراطية إذا كانت الغاية منه وطنية نزيهة. ولا نعتقد أن جل التونسيين يرون وراء هذا التقارب المفاجئ غايات نزيهة، لأن ذاكرتهم لم تنس بعد الغاية الأساسية التي تكون من أجلها نداء تونس وهي تعديل المشهد السياسي الحالك الذي خلقته الترويكا وعلى رأسها النهضة أيام كانت لها الأغلبية في المجلس التأسيسي.

فقد جمع النداءُ شتات الديمقراطيين الحداثيين المؤمنين بمدنية الدولة والمجتمع لمواجهة حزب ديني شمولي كان يسعى إلى وضع دستور للبلاد متأسّس على تطبيق الشريعة تمهيدا لإقامة دولة الخلافة. وقد كان الخلاف بين الحزبين قويا في التوجهات الفكرية المذهبية وفي النظر إلى الطرف الآخر، إذ بينما كان النداء يرى أن للإسلاميين الحق في الوجود السياسي في ظل الدولة الديمقراطية، كانت رؤية النهضة الدينية الشمولية لا تقيم أي وزن للديمقراطية ولحق الآخر في الاختلاف معها.

وقد اضطرتها الاحتجاجات الشعبية ضدها وضد سياساتها الاجتماعية والاقتصادية إلى التخلي عن السلطة وأجبرتها الظروف السياسية الإقليمية على إعلان التخلي عن مواقفها الإخوانية المتطرّفة، فتقربت من الحزب الجديد وكان التقارب المعروف بين رئيسي الحزبين. ثم كانت الانتخابات سنة 2014 بنتائجها المعروفة التشريعية والرئاسية التي أثارت حفائظَ بعضهم باسم الخوف على الديمقراطية من “تغول” النداء في السلطة بجمعه بين الرئاسات الثلاث.

وكانت النهضة من المحتجين، وكانت الفرصة سانحة لها لتطلب تفعيل التوافق بين رئيسي حزب النداء وحزب النهضة للمشاركة في الحكم، فأُشْرِكَتْ في السلطة وكانت مشاركتها تقوى شيئا فشيئا من حكومة الحبيب الصيد إلى حكومة يوسف الشاهد.

وتحققت لها من هذه المشاركة مغانمُ كثيرة أهمها عدم مراجعة التعيينات العشوائية التي قامت بها في الوظيفة العمومية أيام الترويكا، والسكوتُ عن ملفات الفساد الكثيرة وخاصة الملفات المالية والملفات المتعلقة بالإرهاب، وتركُ المساجد التي عينت لها أئمة من أتباعها على حالها، والمشاركة في وضع القرارات التي ينبغي ألا تمس مصالح الإسلام السياسي في البلاد، وتبطئة النظر في القضايا العدلية المفتوحة التي يعرف التونسيون أنها ذاتُ علاقة بها.

وقد كان لها ما أرادت، فإن أمور البلاد باقية على حالها التي تركتها الترويكا تقريبا: فالاقتصاد متهاوٍ كما تركته، والإدارة ما زالت ترزح تحت الأعداد الهائلة من الموظفين الزائدين على حاجتها ممن عينتهم، والإرهاب الذي تحققت انتصارات عليه كثيرة ما زال حيا يرزق راتعا في البؤر التي زُرِعَ فيها في عهدها، والتسفير إلى “بؤر” التوتر ما زال على ما عهدناه في أيامها، والأئمة النهضويون الذين يدّعون الوسطية رغم انتمائهم الواضح إلى الإسلام السياسي ما زالوا يعتلون المنابر ويؤمّون المصلّين، والقضايا العدلية التي كانوا طرفا فيها ما زالت تتأرجح إما بتفكيكها وإما بالصمت عنها رغم أن منها ما مضى عليه في المحاكم السنوات الأربع والسنوات الخمس والسنوات الستّ.

ولكن هذا كله لا يضمن للنهضة أن يكون المستقبل كالحاضر لأن الخشية من المحاسبة تبقى قائمة ما لم ترجع إلى السلطة رجوعا فعليا رغم أنها تعلم أن جل التونسيين يرفضونها ويرفضون عودتها.

ويذهب عدد غير قليل من المتابعين إلى الشك في صدق نواياها نحو النداء حليفها الذي أرجعها إلى السلطة رغم أنف التونسيين الذين بوؤوه المرتبة الأولى في الانتخابات من أجل التخلص منها وإبعاد الإسلام السياسي عنهم، ويبلغ الشك مداه عندما يرون النداء يتفتّتُ من داخله ويعلمون أن من أتباع النهضة السابقين الداعمين لها ماليا أو المتعاطفين معها إيديولوجيا قد انغرسوا وانغرزوا في الحزب تحدوهم نوايا غير صافية قد بدأت نتائجها تظهر بقوة.

وما شهده النداء من تولد “شقوق” عنه- منها ما أصبح حزبا ومنها ما ينتظر- وما يشهده اليوم من انقسامات وطرد للمنسبين إليه- وخاصة من النساء اللاتي كنّ السند الأول له في انتخاب نوابه وانتخاب رئيس الجمهورية، ومنهن من هدِّدت بالقتل إن هي خرجت عن الطاعة- ومن بيانات متناقضة متضادة ومن تناقص متزايد لعدد أعضائه في كتلته النيابية ومن تأجيل متعمَّدٍ لتنظيم مؤتمره الانتخابي الكفيل بانتخاب قيادة سياسية ديمقراطية قوية.

لُّها دالة على نجاح النهضة في ما خططت له: فهي اليوم الحزب الأول في مجلس التواب من حيث العدد، ويمكن أن تقوى أكثر في ظل ما نعرفه من نفاق سياسي عند سياسيينا وما نعلمه من جري وراء المصلحة الشخصية قبل التفكير في المصلحة العامة قد ظهرت آثاره في ما عرف بـ“السياحة البرلمانية”، فإن ذلك كفيل بأن يرجع لها مكانتها السياسية التي فقدتها بعد الترويكا. وهي تُظهِر بلا شك تمنعا مقصودا لأنها تعلم أن المصير الذي لقيته سنة 2013 سيتكرر إذا هي برزت في الصفّ الأول. بل هي تعلم علم اليقين أن الظروف الإقليمية والعالمية لا تسمح لها بالبروز نتيجة العداء الذي أصبح سافرا للإسلام السياسي في العالم.

وهي في الحقيقة ليست في حاجة إلى البروز في الصف الأول لأن وضعيّة “التوافق” الحالية مريحة جدّا لها. فهي بحكم أغلبيتها البرلمانية تتحكم في سن القوانين وفي أعمال اللجان البرلمانية، وقد رأينا منذ وقت قريب ما نتج عن تدخلها من تعطيل لعمل اللجنة المكلفة بالتحقيق في شبكات التسفير إلى بؤر التوتّر وما كان قد حصل في شهر أبريل الماضي في لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية التي ناقشت “مشروع قانون محاضن ورياض الأطفال” من تهديد لوزيرة المرأة والأسرة والطفولة إن هي عملت على تحييد رياض الأطفال عن المعطيات ذات البعد الإيديولوجي الإسلامي.

وتـُمَكّنها وضعيتها الحالية إذن من تعطيل القوانين والتحكم في سير مجلس النواب. ولكنها تعلم أن سلوك التعطيل والتحكم في سير المجلس سيفتح عليها من جديد أبواب الاحتجاجات وستُقْنع المتشككين في دعواها الانتقالَ من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي، ومن الحزب الديني الشمولي إلى الحزب المدني الديمقراطي بأن ذلك كله مجرد تقيّة قد اعتاد عليها الإسلاميون منذ وقت بعيد.

بل هي ليست في حاجة إلى البروز في الصف الأول لأنها أصبحت المتحكمة في دواليب الدولة بعد ارتماء حزب نداء تونس في أحضانها إلى درجة أن بعض المعترضين من الحزب على التقرب منها اعتبروا ما حدث نوعا من “التذيّل للنهضة”. والنداء في تقرّبه إنما يبحث في الحقيقة عند النهضة عن الحماية، وخاصة لأعضاء من كتلته النيابية قد يحاسبون في نطاق الحرب على الفساد، ثم إنها قد تكون له سندا ويكون هو أيضا لها سندا إذا تطورت الحرب على الفساد فطالت المتهمين بالفساد من الجهتين، فيكون للكتلتين القويتين عندئذ في مجلس النواب موقف من قائد الحرب على الفساد: رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

هو إذن تغوّل للنهضة خفي لكنه في تصاعد، وتقهقر لنداء تونس صارخ نتيجة ضعف قيادته خاصة. وليس غريبا في مثل هذا الوضع أن نرى صقور النهضة يسعون إلى استرجاع مجد الإسلاميين في السلطة وأن يرفع الإسلام السياسي راياته في البلاد من جديد بدعم من النداء الضعيف. ولا شك أنّ “التحالف” بين الأحزاب وإن اختلفت مشاربها حق يضمنه لها النظام الديمقراطي، ولكن عندما تكون الغاية من التحالف تحقيق مآرب حزبية خاصة على حساب مصلحة الوطن فإنه يصبح تواطؤا على الفساد يندرج في ما ينبغي محاربته.

كاتب وجامعي تونسي

9